فهرس الكتاب

الصفحة 3856 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 224

وزيتونكم الّذي تعصرون منه الزّيت"قال تعالى:"

وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ المؤمنون: 20. [ثمّ نقل أقوال المفسّرين وقال:]

ويرجّح القرطبيّ أنّهما التّين والزّيتون على الحقيقة، وقال: لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلّا بدليل.

ولكن إذا أخذنا بالقول بأنّ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ هما هاتان الثّمرتان، لا نجد جامعة بين التّين والزّيتون، وبين طور سينين والبلد الأمين. وعادة القرآن أنّه لا يجمع بين الأقسام إلّا إذا كانت بينهما علاقة تشابه أو تضادّ، وهنا لا نجد علاقة واضحة بين هاتين الفاكهتين، وبين طور سينين والبلد الأمين، اللّهمّ إلّا إذا قلنا: إنّ طور سيناء ينبت فيه التّين والزّيتون، ويطيب ثمره، فتكون العلاقة بينهما علاقة نسبة إلى المكان.

ويقوّي هذه النّسبة أنّ القرآن الكريم أشار في موضع آخر إلى منبت شجرة الزّيتون، وأنّ طور سيناء هو أطيب منبت لها؛ إذ يقول سبحانه: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ المؤمنون: 20.

وقيل: إنّ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فاكهتان، ولكن لم يقسم بهما هنا لفوائدهما، بل لما يذكّران به من الحوادث العظيمة الّتي لها آثارها الباقية، وذلك أنّ اللّه سبحانه وتعالى أراد أن يذكّرنا بأربعة فصول من كتاب الإنسان الطّويل، من أوّل نشأته إلى مبعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.

ف (التّين) إشارة إلى عهد الإنسان الأوّل، فإنّ آدم- كما تقول التّوراة- كان يستظلّ في الجنّة بشجر التّين، وعند ما بدت له ولزوجه سوءاتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق التّين، فهذا أوّل فصل من فصول حياة الإنسان.

و (الزّيتون) إشارة إلى الفصل الثّاني، وهو عهد نوح؛ وذلك أنّه بعد أن فسد البشر، وأهلك اللّه من أهلك بالطّوفان، ونجّى نوحا ومن معه في السّفينة، واستقرّت السّفينة على اليابسة نظر نوح- كما تقول التّوراة- إلى ما حوله، فرأى المياه لا تزال تغطّي وجه الأرض، فأرسل حمامة تأتي له بدليل على انحسار المياه عن وجه الأرض، فجاءت إليه وفي فمها وريقات من شجر الزّيتون، فعرف أنّ الحياة بدأت تظهر على وجه الأرض من جديد.

أمّا طُورِ سِينِينَ فهو إشارة إلى الفصل الثّالث من حياة الإنسان، وهو ظهور الشّريعة الموسويّة، وقد كانت تلك الشّريعة دعوة لكثير من أنبياء اللّه ورسله إلى عهد المسيح عليه السّلام، الّذي كان خاتمة هذه الشّريعة.

وأمّا الْبَلَدِ الْأَمِينِ وهو مكّة، فقد كان مطلع الرّسالة الخاتمة لما شرع اللّه للنّاس، وبهما يختتم الفصل الأخير من حياة الإنسان على هذه الأرض.

وهذه كلّها أقوال متقاربة، يمكن أن يؤخذ بأيّ منها، أو بها جميعا. (15: 1613)

فضل اللّه: الظّاهر من هاتين الكلمتين اللّتين أقسم اللّه بهما، أنّ المراد بهما: الفاكهتان المعروفتان المتميّزتان بخصائص غذائيّة ومذاقيّة معيّنة، تجعلهما في موقع الإبداع من خلق اللّه، وفي موقع النّعمة من نعم اللّه.

وقد جاء في بعض التّفاسير، أنّ المراد بهما: شجر التّين والزّيتون. وقيل: المراد ب (التّين) : الجبل الّذي عليه دمشق، (و الزّيتون) : الجبل الّذي عليه بيت المقدس.

وقيل: إنّ المناسبة في إطلاق الفاكهتين على الجبلين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت