فهرس الكتاب

الصفحة 3884 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 252

العصمة الإلهيّة، وجعل جواب (لو لا) قوله: لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ دون نفس الرّكون، والرّكون هو الميل أو أدنى الميل كما قيل، دليل على أنّه صلّى اللّه عليه وآله لم يركن ولم يكد، ويؤكّده إضافة"الرّكون"إليهم دون إجابتهم إلى ما سألوه.

والمعنى: ولو لا أن ثبّتناك بعصمتنا دنوت من أن تميل إليهم قليلا، لكنّا ثبّتناك فلم تدن من أدنى الميل إليهم.

فضلا من أن تجيبهم إلى ما سألوا، فهو صلّى اللّه عليه وآله لم يجبهم إلى ما سألوا، ولا مال إليهم شيئا قليلا، ولا كاد أن يميل.

مكارم الشّيرازيّ: ومفهوم التّثبيت الإلهيّ والّذي نعتبره بأنّه العصمة، أنّه منع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من التّوجّه إلى مزالق عبدة الأصنام، ولا يعني ظاهر الآية- في حال- أنّه صلّى اللّه عليه وآله مال إلى المشركين، ثمّ نهي عن ذلك بوحي من اللّه تعالى.

الآية الأولى والثّانية [من سورة الإسراء: 73، 74 وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ... * وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ ... ] هما في الحقيقة إشارة إلى حالتين مختلفتين للرّسول صلّى اللّه عليه وآله، الحالة الأولى هي الحالة البشريّة والإنسانيّة والّتي انكشفت بشكل واضح في الآية الأولى، وبمقتضى هذه الحالة يمكن تأثير وساوس الأعداء في الرّسول صلّى اللّه عليه وآله، خاصّة إذا كانت ثمّة مرجّحات في إظهار اللّيونة والتّوجّه إليهم، من مثل رغبته صلّى اللّه عليه وآله في أن يسلم زعماء الشّرك بعد إظهار اللّيونة، أو أن يمنع بذلك سفك الدّماء. والآية تكشف عن احتمال وقوع الإنسان العادي- ومهما كان قويّا- تحت تأثير الأعداء.

أمّا الآية الثّانية فهي ذات طبيعة معنويّة؛ إذ هي تبيّن العصمة الإلهيّة ولطفه الخاصّ سبحانه وتعالى الّذي يشمل به الأنبياء، خصوصا نبيّ الإسلام صلّى اللّه عليه وآله حينما يمرّ بمنعطفات ومزالق دقيقة.

والنّتيجة أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وآله بالطّبع البشريّ قد وصل إلى حافّة القبول ببعض وساوس الأعداء، إلّا أنّ التّأييد الإلهيّ"العصمة"ثبّته وحفظه وأنقذه من الإنزلاق.

وهذا التّعبير نفسه نقرأه في سورة يوسف؛ حيث جاء البرهان الإلهيّ في أدقّ اللّحظات وأخطرها، في مقابل الإغواء الخطير وغير الاعتيادي لامرأة العزيز، حيث قوله تعالى في الآية (24) من سورة يوسف:

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ.

وفي اعتقادنا أنّ الآيات أعلاه ليست لا تصلح أن تكون دليلا على نفي العصمة وحسب، بل هي واحدة من الآيات الّتي تدلّ على العصمة، لأنّ التّثبيت الإلهيّ هذا، والّذي هو كناية عن العصمة أو التّثبيت الفكريّ والعاطفيّ والسّلوكيّ لا يخصّ فقط هذه الحالة، وهذا الموقف، بل هو يشمل الحالات المشابهة الأخرى، وعلى هذا الأساس تعتبر الآية شاهدا على عصمة الأنبياء والقادة الإلهيّين.

أمّا الآية الثّالثة الّتي نبحثها والّتي تقول: إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا الإسراء: 75، فهي دليل على صحّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت