فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 344
الطّبيعة توجد من التّراب؛ والأخشاب والنّباتات هي الأخرى من التّراب. غاية ما هنالك أنّ تبديل التّراب إلى حيّة عظيمة يحتاج عادة إلى ملايين السّنين، ولكن في ضوء الإعجاز تقصر هذه المدّة قصرا كبيرا حتّى تتحقّق كلّ تلك التّحوّلات والتّكاملات في لحظة واحدة وبسرعة، وبصورة متلاحقة جدّا، فتتّخذ القطعة من الخشب- الّتي تستطيع وفق الموازين الطّبيعيّة أن تغيّر بهذه الصّورة بعد مضيّ ملايين السّنين- تتّخذ مثل هذه الصّورة في عدّة لحظات.
والّذين يحاولون أن يجدوا لمعاجز الأنبياء تفسيرات طبيعيّة ومادّيّة، وينفوا طابعها الإعجازيّ، ويظهروها في صورة سلسلة من المسائل العاديّة، مهما كانت هذه التّفاسير مخالفة لصريح الكتب السّماويّة، إنّ هؤلاء يجب أن يوضّحوا موقفهم: هل هم يؤمنون باللّه وقدرته ويعتبرونه حاكما على قوانين الطّبيعة أم لا؟ فإذا كانوا لا يعتبرونه كذلك لم يكن كلام الأنبياء ومعجزاتهم إلّا لغوا لديهم. وإذا كانوا يعتبرون لم يكن ثمّة دليل على نحت مثل هذه التّفسيرات والتّبريرات المقرونة بالتّكلّف والمخالفة لصريح الآيات القرآنيّة. وإن لم نر أحدا من المفسّرين- على ما بينهم من اختلاف السّليقة- عمد إلى هذا التّفسير المادّيّ، ولكن ما قلناه قاعدة كلّيّة.
2 -فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ. الشّعراء: 32
ابن عبّاس: حيّة صفراء ذكر. (307)
يقال: (مبين) له خلق حيّة. (الطّبريّ 19: 71)
ومعنى (مبين) أنّه ثعبان لا شبهة فيه.
(الطّوسيّ 8: 17)
النّقّاش: أنّه اعتمّ الحيّات الصّفر، شعراء العنق.
(الماورديّ 4: 169)
الشّريف المرتضى: إن سأل سائل فقال:
ما تقولون في قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السّلام: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ، وقال في موضع آخر:
وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ القصص: 31، والثّعبان هو الحيّة العظيمة الخلقة، والجانّ: الصّغير من الحيّات، فكيف اختلف الوصفان والقصّة واحدة؟ وكيف يجوز أن تكون (العصا) في حالة واحدة من صفة ما عظم خلقه من الحيّات وبصفة ما صغر منها؟ وبأيّ شي ء تزيلون التّناقض عن هذا الكلام؟
الجواب: أوّل ما نقوله: إنّ الّذي ظنّه السّائل من كون الآيتين خبرا عن قصّة واحدة باطل، بل الحالتان مختلفتان، فالحال الّتي أخبر عن (العصا) فيها بصفة الجانّ كانت في ابتداء النّبوّة، وقبل مصير موسى عليه السّلام إلى فرعون، والحال الّتي صارت العصا فيها ثعبانا كانت عند لقائه فرعون وإبلاغه الرّسالة، والتّلاوة تدلّ على ذلك، وإذا اختلفت القصّتان فلا مسألة.
على أنّ قوما من المفسّرين قد تعاطوا الجواب عن هذا السّؤال، إمّا لظنّهم أنّ القصّة واحدة، أو لاعتقادهم أنّ العصا الواحدة لا يجوز أن تنقلب في حالتين، تارة إلى صفة الجانّ، وتارة إلى صفة الثّعبان، أو على سبيل الاستظهار في الحجّة، وأنّ الحال لو كانت واحدة على