فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 345
ما ظنّ لم يكن بين الآيتين تناقض، وهذا الوجه أحسن ما تكلّفوا الجواب لأجله، لأنّ الأوّلين لا يكونان إلّا عن غلط أو غفلة، وذكروا وجهين تزول بكلّ واحد منهما الشّبهة في تأويلها:
أحدهما: أنّه تعالى إنّما شبّهها بالثّعبان في إحدى الآيتين لعظم خلقها، وكبر جسمها، وهول منظرها؛ وشبّهها في الآية الأخرى بالجانّ لسرعة حركتها ونشاطها وخفّتها، فاجتمع لها مع أنّها في جسم الثّعبان وكبر خلقه نشاط الجانّ، وسرعة حركته. وهذا أبهر في باب الإعجاز، وأبلغ في خرق العادة، ولا تناقض معه بين الآيتين، وليس يجب إذا شبّهها بالثّعبان أن يكون لها جميع صفات الثّعبان، ولا إذا شبّهها بالجانّ أن يكون لها جميع صفاته، وقد قال اللّه تعالى: وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا* قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ الدّهر: 15، 16.
ولم يرد تعالى أنّ الفضّة قوارير على الحقيقة، وإنّما وصفها بذلك لأنّه اجتمع لها صفاء القوارير وشفوفها ورقّتها، مع أنّها من فضّة. وقد تشبّه العرب الشّي ء بغيره في بعض وجوهه، فيشبّهون المرأة بالظّبية والبقرة. ونحن نعلم أنّ في الظّباء والبقر من الصّفات ما لا يستحسن أن يكون في النّساء، وإنّما وقع التّشبيه في صفة دون صفة، ومن وجه دون وجه.
والجواب الثّاني: أنّه تعالى لم يرد بذكر الجانّ في الآية الأخرى الحيّة، وإنّما أراد أحد الجنّ؛ فكأنّه تعالى خبّر بأنّ العصا صارت ثعبانا في الخلقة وعظم الجسم، وكانت مع ذلك كأحد الجنّ في هول المنظر وإفزاعها لمن شاهدها، ولهذا قال تعالى: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ.*
ويمكن أن يكون في الآية تأويل آخر استخرجناه، إن لم يزد على الوجهين الأوّلين لم ينقص عنهما. والوجه في تكلّفنا له ما بيّنّاه من الاستظهار في الحجّة، وأنّ التّناقض الّذي توهّم زائل على كلّ وجه، وهو أنّ العصا لمّا انقلبت حيّة صارت أوّلا بصفة الجانّ وعلى صورته، ثمّ صارت بصفة الثّعبان على تدريج، ولم تصر كذلك ضربة واحدة. فتتّفق الآيتان على هذا التّأويل، ولا يختلف حكمهما، وتكون الآية الأولى الّتي تتضمّن ذكر الثّعبان إخبارا عن غاية حال العصا، وتكون الآية الثّانية تتضمّن ذكر الحال الّتي ولّى موسى فيها هاربا، وهي حال انقلاب العصا إلى خلقة الجانّ، وإن كانت بعد ذلك الحال انتهت إلى صورة الثّعبان.
فإن قيل على هذا الوجه: كيف يصحّ ما ذكرتموه مع قوله تعالى: فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ، وهذا يقتضي أنّها صارت ثعبانا بعد الإلقاء بلا فصل؟
قلنا: تفيد الآية ما ظنّ، وإنّما فائدة قوله تعالى:
فَإِذا هِيَ الإخبار عن قرب الحال الّتي صارت فيها بتلك الصّفة، وأنّه لم يطل الزّمان في مصيرها كذلك، ويجري هذا مجرى قوله تعالى: أَوَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ يس: 77، مع تباعد ما بين كونه نطفة وكونه خصيما مبينا، وقولهم:
ركب فلان من منزله فإذا هو في ضيعته، وسقط من أعلى الحائط فإذا هو في الأرض. ونحن نعلم أنّ بين خروجه من منزله وبلوغه ضيعته زمانا، وأنّه لم يصل إليها إلّا