فهرس الكتاب

الصفحة 3984 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 352

ذلك اليوم أربعمئة مرّة، وأنّ الثّعبان كان ذكرا أشقر فاغرا فاه، وله عرف كعرف الفرس ... وأنّ النّاس انهزموا منه، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، وقتل بعضهم بعضا ونحوها.

وقد ملأت- مع الأسف- أمثال هذه الأساطير حول القصص القرآنيّة التّفاسير، وشغلت القصّاص والوعّاظ، أنسوا واهتمّوا بها طوال ألف سنة أو أكثر.

وأوّل من شكّك فيها- فيما عندنا من التّفاسير- أبو حيّان، وتبعه رشيد رضا والمراغيّ، وغيرهما من المعاصرين.

الثّالث: تعرّض الفخر الرّازيّ لشبهة الطّبيعيّين باستحالة انقلاب العصا ثعبانا، لأنّها خلاف الطّبيعة، وقد أجاب عنها. وهذه الشّبهة لا تختصّ بالطّبيعيّين المنكرين للّه، بل هي مطروحة عند الفلاسفة الإلاهيّين وبعض المتكلّمين الّذين التزموا النّظام الجبريّ للعالم، وأنكروا مشيئة اللّه كصفة فعليّة له، وقد أصرّ القرآن عليها في آيات، مثل: وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ البقرة: 253، ويَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ الرّعد:

39، لاحظ"ش ي أ"و"رود".

الرّابع: ذكر الخازن وغيره في ثُعْبانٌ مُبِينٌ* أنّها أبانت صدق قول موسى، ففسّرها متعدّية، وقد قلنا: إنّ"مبينا"في القرآن بمعنى الواضح الظّاهر، وأنّ"بان"و"أبان"لازمان، لاحظ"ب ي ن".

الخامس: جاء في آيات الموقف الأوّل- وهي تحمل بداية تجربة موسى للعصا- حديث خوف موسى، وأنّه ولّى ولم يعقّب. وهذا دليل على أنّ المعجزات ليست من فعل الأنبياء، بل هي من فعل اللّه، تحدث على أيدي الأنبياء بمشيئة اللّه تعالى، وهذا ما نسبه أمين الإسلام الطّبرسيّ في تفسيره (مجمع البيان) إلى أصحابنا الإماميّة.

السّادس: جاء الموقف الأوّل والأخير ثلاث مرّات، والموقف الثّاني مرّتين، بقدر الاهتمام بهذه المواقف، فإنّ موقف تجربة موسى وإبطال سحر السّحرة أهمّ من موقف الاحتجاج أمام فرعون، كما لا يخفى.

السّابع: جاء خوف موسى من سحر السّحرة وردع اللّه إيّاه، ووعده الغلبة عليهم، وأنّهم صنعوا سحرا، ولا يفلح السّاحر أبدا، في (طه: 70) فقط: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى * قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى * وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى.

ولم يأت حديث الخوف في الأعراف، كأنّه فيها أمر هيّن لا يهتمّ بذكره.

الثّامن: جاء في"طه": فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أي إلى موسى مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى، فعرّضه للخوف. أمّا في"الأعراف"فجاء مكان خوف موسى خوف النّاس: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ. فيبدو أنّ اللّه قسّم الخوفين على السّورتين، إلّا أنّ خوف موسى كان أقلّ من خوف النّاس بكثير، فلم يكن سوى إيجاس الخوف في نفسه، أمّا النّاس فقد سحروا أعينهم واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، وهذا هو الفارق بين نبيّ اللّه موسى- وهو بشر- وبين سائر النّاس.

التّاسع: يفهم من سياق الآيات أنّ سحرهم لم يكن سوى التّمثيل في النّفوس والتّعمية في الأبصار. ولم يكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت