فهرس الكتاب

الصفحة 4027 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 395

الجبل يتلقّاه.

وإنّ تلقّي هذا الفيض من النّور والمعرفة واستيعابه، لثقيل يحتاج إلى استعداد طويل.

وإنّ التّعامل مع الحقائق الكونيّة الكبرى المجرّدة، لثقيل يحتاج إلى استعداد طويل.

وإنّ الاتّصال بالملإ الأعلى وبروح الوجود، وأرواح الخلائق الحيّة والجامدة على النّحو الّذي تهيّأ لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لثقيل يحتاج إلى استعداد طويل.

وإنّ الاستقامة على هذا الأمر بلا تردّد ولا ارتياب ولا تلفّت هنا أو هناك، وراء الهواتف والجواذب والمعوّقات، لثقيل يحتاج إلى استعداد طويل.

وإنّ قيام اللّيل والنّاس نيام، والانقطاع عن غبش الحياة اليوميّة وسفسافها، والاتّصال باللّه، وتلقّي فيضه ونوره، والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه، وترتيل القرآن والكون ساكن، وكأنّما هو يتنزّل من الملإ الأعلى، وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة التّرتيل بلا لفظ بشريّ ولا عبارة، واستقبال إشعاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته في اللّيل السّاجي، إنّ هذا كلّه هو الزّاد لاحتمال القول الثّقيل، والعب ء الباهظ، والجهد المرير الّذي ينتظر الرّسول، وينتظر من يدعو بهذه الدّعوة في كلّ جيل، وينير القلب في الطّريق الشّاقّ الطّويل، ويعصمه من وسوسة الشّيطان، ومن التّيه في الظّلمات الحافّة بهذا الطّريق المنير. (6: 3745)

الطّباطبائيّ: الثّقل: كيفيّة جسمانيّة من خاصّته أنّه تشقّ حمل الجسم الثّقيل ونقله من مكان إلى مكان، وربّما يستعار للمعاني إذا شقّ على النّفس تحمّلها أو لم تطقها.

فربّما أضيف إلى القول من جهة معناه فعدّ (ثقيلا) لتضمّنه معنى يشقّ على النّفس إدراكه، أو لا تطيق فهمه، أو تتحرّج من تلقّيه، كدقائق الأنظار العلميّة إذا ألقيت على الأفهام العامّة، أو لتضمّنه حقائق يصعب التّحقّق بها، أو تكاليف يشقّ الإتيان بها والمداومة عليها.

والقرآن قول إلهيّ ثقيل بكلا المعنيين: أمّا من حيث تلقّي معناه، فإنّه كلام إلهيّ مأخوذ من ساحة العظمة والكبرياء، لا تتلقّاه إلّا نفس طاهرة من كلّ دنس، منقطع عن كلّ سبب إلّا اللّه سبحانه، وكتاب عزيز له ظهر وبطن وتنزيل وتأويل تبيانا لكلّ شي ء، وقد كان ثقله مشهودا من حال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بما كان يأخذه من البرحاء وشبه الإغماء، على ماوردت به الأخبار المستفيضة.

وأمّا من حيث التّحقّق بحقيقة التّوحيد وما يتبعها من الحقائق الاعتقاديّة، فكفى في الإشارة إلى ثقله قوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ الحشر: 21، وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى الرّعد: 31.

وأمّا من حيث القيام بما يشتمل عليه من أمر الدّعوة، وإقامة مراسم الدّين الحنيف، وإظهاره على الدّين كلّه، فيشهد به ما لقي صلّى اللّه عليه وآله من المصائب والمحن في سبيل اللّه، والأذى في جنب اللّه، على ما يشهد به الآيات القرآنيّة، الحاكية لما لقيه النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله من المشركين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت