فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 396
والكفّار والمنافقين، والّذين في قلوبهم مرض من أنواع الإيذاء والهزء والجفاء، فقوله: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا المراد بالقول الثّقيل: القرآن العظيم على ما يسبق إلى الذّهن من سياق هذه الآيات النّازلة في أوّل البعثة، وبه فسّره المفسّرون.
والآية في مقام التّعليل للحكم المدلول عليه، بقوله:
قُمِ اللَّيْلَ إلخ، فتفيد بمقتضى السّياق- والخطاب خاصّ بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله- أنّ أمره بقيام اللّيل والتّوجّه فيه إليه تعالى بصلاة اللّيل، تهيئة له وإعداد لكرامة القرب وشرف الحضور وإلقاء قول ثقيل، فقيام اللّيل هي السّبيل المؤدّية إلى هذا الموقف الكريم، وقد عدّ سبحانه صلاة اللّيل سبيلا إليه، في قوله الآتي: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا المزّمّل: 19.
وقد زاد سبحانه وعدا على ما في هذه الآية، في قوله: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا الإسراء: 79.
وإذ كان ثقل القرآن ثقله من حيث التحقّق بحقائقه، ومن حيث استجابته فيما يندب إليه من الشّرائع والأحكام، فهو ثقيل على الأمّة، كما هو ثقيل عليه صلّى اللّه عليه وآله. ومعنى الآية إنّا سنوحي إليك قولا يثقل عليك وعلى أمّتك.
أمّا ثقله عليه صلّى اللّه عليه وآله فلما في التّحقّق بحقائقه من الصّعوبة، ولما فيه من محنة الرّسالة وما يتبعها من الأذى في جنب اللّه، وترك الرّاحة والدّعة، ومجاهدة النّفس، والانقطاع إلى اللّه، مضافا إلى ما في تلقّيه من مصدر الوحي من الجهد.
وأمّا ثقله على أمّته فلأنّهم يشاركونه صلّى اللّه عليه وآله في لزوم التّحقّق بحقائقه، واتّباع أوامره ونواهيه ورعاية حدوده، كلّ طائفة منهم على قدر طاقته.
وللقوم في معنى ثقل القرآن أقوال أخر:
منها: أنّه ثقيل، بمعنى أنّه عظيم الشّأن متين رصين، كما يقال: هذا كلام له وزن، إذا كان واقعا موقعه.
ومنها: أنّه ثقيل في الميزان يوم القيامة حقيقة أو مجازا، بمعنى كثرة الثّواب عليه.
ومنها: أنّه ثقيل على الكفّار والمنافقين بما له من الإعجاز وبما فيه من الوعيد.
ومنها: أنّ ثقله كناية عن بقائه على وجه الدّهر، لأنّ الثّقيل من شأنه أن يبقى ويثبت في مكانه.
ومنها: غير ذلك. والوجوه المذكورة وإن كانت لا بأس بها في نفسها، لكن ما تقدّم من الوجه هو الظّاهر السّابق إلى الذّهن. (20: 61)
محمّد جواد مغنيّه: القرآن ثقيل بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى، هو ثقيل في إعجازه وخلوده، وفي عقيدته وشريعته، وفي حربه ونضاله ضدّ الأقوياء المفسدين والطّغاة المترفين. وقال كثير من المفسّرين:
"القرآن ثقيل، لأنّ تكاليفه شاقّة مثل المحافظة على الصّلوات الخمس، والقيام آخر اللّيل لصلاة الفجر، والوضوء بالماء البارد مرارا، والاغتسال به أحيانا، وكالصّوم في أيّام الحرّ، والقيام للسّحور من آخر اللّيل، وكالحجّ ومشتقّاته من الإحرام والسّعي والطّواف".
وليس من شكّ أنّ هذه كبيرة إلّا على الخاشعين، ولكن أكبر منها وأثقل التّكليف بالجهاد وهو على أنواع،