فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 397
وأثقل أنواعه الجهاد لتغيير القلوب والمشاعر، والقضاء على العقائد الفاسدة والتّقاليد الموروثة، واستئصال الفساد من جذوره، وهذا ما كلّف به أبو القاسم محمّد بن عبد اللّه. [صلّى اللّه عليه وآله]
فلقد بعثه اللّه سبحانه ليتمّم مكارم الأخلاق للبشريّة كلّها، ويخرج النّاس من الظّلمات إلى النّور، وأيّ تكليف أثقل وأشقّ من هذا التّكليف؟ ومن الّذي يستطيع أن يغيّر من أخلاق زوجته وولده بخاصّة في عصر الجاهليّة أفسد العصور وأكثرها فسادا وطغيانا؟
ولكنّ محمّدا تغلّب على جميع الصّعاب، وقام بالأمر على أكمل وجه.
أمّا السّرّ في ذلك فيكمن في شخصيّة محمّد وقوّتها وعظمتها، وفي صبره العجيب على تحمّل الأذى في سبيل دعوته، فكان يزداد صبرا وحلما كلّما ازداد الطّغاة في أذاه، ولا يزيد على قوله:"اللّهمّ اغفر لقومي أنّهم لا يعلمون .. إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي".
وبهذا نجد التّفسير الصّحيح لقوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ الأنعام: 124، أجل، اللّه يعلم أنّ شخصيّة محمّد أقوى من العقائد والتّقاليد ومن النّاس مجتمعين، ولو لا علمه بذلك لما بعث محمّدا ليتمّم للبشريّة مكارم الأخلاق لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا ما آتاها الطّلاق: 7.
وقد أدرك الأديب العالميّ الشّهير"برنار دشو"هذه الحقيقة؛ حيث قال: لو كان محمّد بن عبد اللّه في القرن العشرين لقضى على ما فيه من فساد وضلال. (7: 446)
نحوه عبد الكريم الخطيب. (15: 1251)
فضل اللّه: وهو القرآن الّذي يحمل في داخله كلّ مفاهيم الرّسالة وخطوطها الفكريّة والعمليّة في الحياة، ممّا يدفع الإنسان إلى الالتزام في دائرة المسؤوليّة الّتي تثقل عليه من خلال تحويل الحياة في وجدانه الحركيّ، من ساحة للاسترخاء واللّامبالاة، والسّكون والحرّيّة الغارقة في بحار الشّهوات، والمتخبّطة في وحول الجريمة، إلى ساحة للدّعوة إلى تصحيح الفكر واستقامة القصد، ووضوح الهدف وطهارة الوسائل، وتنظيم الحياة، وتوجيه الإنسان نحو القضايا الكبيرة الّتي تلتقي برضى اللّه، في مواقع رحمته وحكمته في الدّنيا والآخرة.
على ضوء ذلك، فإنّ القول الثّقيل لا يتمثّل في الثّقل المادّيّ، كما توحي بعض الرّوايات الّتي تعبّر عن الضّغط والتّأثيرات الشّديدة الّتي كان يتعرّض لها النّبيّ في جسده، عند نزول الوحي عليه، بل يتمثّل في ثقل المسؤوليّة الّتي تضغط على كلّ الواقع الإنسانيّ، لتدفعه إلى الالتزام الفكريّ والعمليّ، الّذي يقف عند حدود اللّه فلا يتجاوزها، ويتحمّل ثقل الأعباء الملقاة على عاتق الإنسان المسلم، الّذي يواجه التّحدّيات من موقع الإيمان الرّساليّ، الّذي يثبت في كلّ حالات الاهتزاز الرّوحيّ، الهادف إلى إسقاط الواقع من حوله.
وهذا ما يحتاج إلى التّربية الطّويلة، والمعاناة الشّديدة، والقوّة الرّوحيّة الّتي ترتفع بالإنسان إلى الآفاق الواسعة، فلا تضيق به مشكلة، ولا تضعفه مصيبة، ولا تخنقه عقدة، ولا يثيره انفعال، ليكون إنسان الفكر الهادئ والعاطفة المتّزنة، والحركة العاقلة، والواقع المتوازن، والكلمة الحلوة الهادئة، لأنّ الرّسالة لا تنمو في