فهرس الكتاب

الصفحة 4089 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 457

المسألة الأولى: المعنى: ولا تقولوا: إنّ اللّه سبحانه واحد بالجوهر ثلاثة بالأقانيم.

واعلم أنّ مذهب النّصارى مجهول جدّا، والّذي يتحصّل منه أنّهم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات ثلاثة، إلّا أنّهم وإن سمّوها صفات فهي في الحقيقة ذوات، بدليل أنّهم يجوّزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم بأنفسها، وإلّا لما جوّزوا عليها أن تحلّ في الغير، وأن تفارق ذلك الغير مرّة أخرى، فهم وإن كانوا يسمّونها بالصّفات، إلّا أنّهم في الحقيقة يثبتون ذوات متعدّدة قائمة بأنفسها، وذلك محض الكفر، فلهذا المعنى قال تعالى: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا.

فأمّا إن حملنا الثّلاثة على أنّهم يثبتون صفات ثلاثة، فهذا لا يمكن إنكاره، وكيف لا نقول ذلك وإنّا نقول: هو اللّه الّذي لا إله إلّا هو الملك القدّوس السّلام العالم الحيّ القادر المريد، ونفهم من كلّ واحد من هذه الألفاظ غير ما نفهمه من اللّفظ الآخر، ولا معنى لتعدّد الصّفات إلّا ذلك، فلو كان القول بتعدّد الصّفات كفرا لزم ردّ جميع القرآن ولزم ردّ العقل، من حيث إنّا نعلم بالضّرورة أنّ المفهوم من كونه تعالى عالما غير المفهوم من كونه تعالى قادرا أو حيّا.

المسألة الثّانية: قوله: (ثلثة) خبر مبتدإ محذوف، ثمّ اختلفوا في تعيين ذلك المبتدإ على وجوه:

الأوّل: ما ذكرناه، أي ولا تقولوا: الأقانيم ثلاثة.

الثّاني: قال الزّجّاج: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة، وذلك لأنّ القرآن يدلّ على أنّ النّصارى يقولون: إنّ اللّه والمسيح ومريم ثلاثة آلهة، والدّليل عليه قوله تعالى:

أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ المائدة: 116.

الثّالث: قال الفرّاء: ولا تقولوا: هم ثلاثة، كقوله:

سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ وذلك لأنّ ذكر عيسى ومريم مع اللّه تعالى بهذه العبارة يوهم كونهما إلهين، وبالجملة فلا نرى مذهبا في الدّنيا أشدّ ركاكة وبعدا عن العقل من مذهب النّصارى. (11: 116)

القرطبيّ: والنّصارى مع فرقهم مجمعون على التّثليث، ويقولون: إنّ اللّه جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم، فيجعلون كلّ أقنوم إلها، ويعنون بالأقانيم: الوجود والحياة والعلم، وربّما يعبّرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس؛ فيعنون بالأب الوجود، وبالرّوح الحياة، وبالابن المسيح، في كلام لهم فيه تخبّط، بيانه في أصول الدّين.

ومحصول كلامهم يؤول إلى التّمسّك بأنّ عيسى إله بما كان يجريه اللّه سبحانه وتعالى على يديه من خوارق العادات، على حسب دواعيه وإرادته. وقالوا: قد علمنا خروج هذه الأمور عن مقدور البشر، فينبغي أن يكون المقتدر عليها موصوفا بالإلهيّة؛ فيقال لهم: لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلّا به كان تخليص نفسه من أعدائه ودفع شرّهم عنه من مقدوراته وليس كذلك؛ فإن اعترفت النّصارى بذلك، فقد سقط قولهم ودعواهم أنّه كان يفعلها مستقلّا به، وإن لم يسلّموا ذلك فلا حجّة لهم أيضا، لأنّهم معارضون بموسى عليه السّلام، وما كان يجري على يديه من الأمور العظام، مثل قلب العصا ثعبانا، وفلق البحر، واليد البيضاء، والمنّ والسّلوى وغير ذلك،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت