فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 459
أراد أبو عليّ موافقة قوله: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ أي أحد آلهة ثلاثة، والّذي يظهر أنّ الّذي أثبتوه هو ما أثبت في الآية خلافه، والّذي أثبت في الآية بطريق الحصر إنّما هو وحدانيّة اللّه تعالى وتنزيهه أن يكون له ولد، فيكون التّقدير: ولا تقولوا: اللّه ثلاثة.
ويترجّح قول أبي عليّ بموافقته الآية الّتي ذكرناها، وبقوله تعالى: سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ النّساء:
171، والنّصارى وإن اختلفت فرقهم فهم مجمعون على التّثليث. (3: 401)
ابن كثير: أي لا تجعلوا عيسى وأمّه مع اللّه شريكين، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا، وهذه الآية والّتي في سورة المائدة: 73، حيث يقول تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وكما قال في آخر السّورة المذكورة: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي الآية: 116، وقال في أوّلها: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ الآية: 17. (2: 46)
الآلوسيّ: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ أي الآلهة ثلاثة:
اللّه سبحانه، والمسيح، ومريم، كما ينبئ عنه قوله تعالى:
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ إذ معناه (الهين) غير اللّه تعالى، فيكونون معه ثلاثة. وحكي هذا التّقدير عن الزّجّاج، أو اللّه سبحانه ثلاثة إن صحّ عنهم أنّهم يقولون: اللّه تعالى جوهر واحد ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس، وأنّهم يريدون بالأوّل: الذّات أو الوجود، وبالثّاني:
العلم أي الكلمة، وبالثّالث: الحياة، كذا قيل.
وتحقيق الكلام في هذا المقام على ما ذكره بعض المحقّقين أنّ النّصارى اتّفقوا على أنّ اللّه تعالى جوهر بمعنى قائم بنفسه غير متحيّز، ولا مختصّ بجهة، ولا مقدّر بقدر، ولا يقبل الحوادث بذاته، ولا يتصوّر عليه الحدوث والعدم، وأنّه واحد بالجوهريّة، ثلاثة بالأقنوميّة، والأقانيم صفات للجوهر القديم، وهي الوجود، والعلم، والحياة. وعبّروا عن الوجود بالأب، والحياة بروح القدس، والعلم بالكلمة.
ثمّ اختلفوا، فذهب الملكانيّة أصحاب ملكا الّذي ظهر بالرّوم واستولى عليها: إلى أنّ الأقانيم غير الجوهر القديم، وأنّ كلّ واحد منها إله وصرّحوا بإثبات التّثليث، وقالوا: إنّ اللّه ثالث ثلاثة سبحانه وتعالى عمّا يشركون، وأنّ الكلمة اتّحدت بجسد المسيح وتدرّعت بناسوته، وامتزجت به امتزاج الماء بالخمر، وانقلبت الكثرة وحدة، وأنّ المسيح ناسوت كلّيّ لا جزئيّ، وهو قديم أزليّ. وأنّ مريم ولدت إلها أزليّا مع اختلافهم في مريم أنّها إنسان كلّيّ أو جزئيّ.
واتّفقوا على أنّ اتّحاد اللّاهوت بالمسيح دون مريم، وأنّ القتل والصّلب وقع على النّاسوت واللّاهوت معا، وأطلقوا لفظ"الأب"على اللّه تعالى، و"الابن"على عيسى عليه السّلام، وذهب نسطور الحكيم- في زمان المأمون- إلى أنّ اللّه تعالى واحد والأقانيم الثّلاثة ليست غير ذاته ولا نفس ذاته، وأنّ الكلمة اتّحدت بجسد المسيح، لا بمعنى الامتزاج بل بمعنى الإشراق، أي أشرقت عليه كإشراق الشّمس من كوّة على بلّور.
ومن النّسطوريّة من قال: إنّ كلّ واحد من الأقانيم