فهرس الكتاب

الصفحة 4092 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 460

الثّلاثة حيّ ناطق موجود، وصرّحوا بالتّثليث كالملكانيّة، ومنهم من منع ذلك، ومنهم من أثبت صفات أخر كالقدرة والإرادة ونحوهما، لكن لم يجعلوها أقانيم، وزعموا أنّ الابن لم يزل متولّدا من الأب وإنّما تجسّده وتوحّده بجسد المسيح حين ولد، والحدوث راجع إلى النّاسوت، فالمسيح إله تامّ وإنسان تامّ، وهما قديم وحادث، والاتّحاد غير مبطل لقدم القديم ولا لحدوث الحادث، وقالوا: إنّ الصّلب ورد على النّاسوت دون اللّاهوت.

وذهب بعض اليعقوبيّة: إلى أنّ الكلمة انقلبت لحما ودما فصار الإله هو المسيح، وقالوا: إنّ اللّه هو المسيح عيسى بن مريم، ورووا عن يوحنّا الإنجيليّ أنّه قال في صدر إنجيله: إنّ الكلمة صارت جسدا وحلّت فينا، وقال: في البدء كانت الكلمة والكلمة عند اللّه واللّه تعالى هو الكلمة، ومنهم من قال: ظهر اللّاهوت بالنّاسوت بحيث صار هو هو، وذلك كظهور الملك في الصّورة المشار إليه بقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا مريم: 17.

ومنهم من قال: جوهر الإله القديم وجوهر الإنسان المحدث تركّبا تركّب النّفس النّاطقة مع البدن، وصارا جوهرا واحدا، وهو المسيح، وهو الإله، ويقولون: صار الإله إنسانا وإن لم يصر الإنسان إلها، كما يقال في الفحمة الملقاة في النّار: صارت نارا، ولا يقال:

صارت النّار فحمة، ويقولون: إنّ اتّحاد اللّاهوت بالإنسان الجزئيّ دون الكليّ، وأنّ مريم ولدت إلها وأنّ القتل والصّلب واقع على اللّاهوت والنّاسوت جميعا؛ إذ لو كان على أحدهما بطل الاتّحاد، ومنهم من قال:

المسيح مع اتّحاد جوهره قديم من وجه، محدث من وجه.

ومن اليعقوبيّة من قال: إنّ الكلمة لم تأخذ من مريم شيئا وإنّما مرّت بها كمرور الماء بالميزاب، ومنهم من زعم أنّ الكلمة كانت تداخل جسد المسيح فتصدر عنه الآيات الّتي كانت تظهر عنه، وتفارقه تارة، فتحلّه الآفات والآلام.

ومن النّصارى من زعم أنّ معنى اتّحاد اللّاهوت بالنّاسوت ظهور اللّاهوت على النّاسوت وإن لم ينتقل من اللّاهوت إلى النّاسوت شي ء ولا حلّ فيه، وذلك كظهور نقش الطّابع على الشّمع والصّورة المرئيّة في المرآة.

ومنهم من قال: إنّ الوجود والكلمة قديمان، والحياة مخلوقة. ومنهم من قال: إنّ اللّه تعالى واحد وسمّاه أبا وأنّ المسيح كلمة اللّه تعالى وابنه على طريق الاصطفاء، وهو مخلوق قبل العالم، وهو خالق للأشياء كلّها.

وحكى المؤرّخون وأصحاب النّقل أنّ أريوس أحد كبار النّصارى كان يعتقد هو وطائفته توحيد الباري ولا يشرك معه غيره، ولا يرى في المسيح ما يراه النّصارى بل يعتقد رسالته، وأنّه مخلوق بجسمه وروحه، ففشت مقالته في النّصرانيّة فتكاتبوا واجتمعوا بمدينة نيقية عند الملك قسطنطين وتناظروا، فشرح أريوس مقالته، فردّ عليه الأكصيدروس بطريق الإسكندريّة، وشنّع على مقالته عند الملك، ثمّ تناظروا، فطال تنازعهم، فتعجّب الملك من انتشار مقالتهم وكثرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت