فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 461
اختلافهم. وقام لهم البترك وأمرهم أن يبحثوا عن القول المرضي، فاتّفق رأيهم على شي ء فحرّروه وسمّوه بالأمانة، وأكثرهم اليوم عليها، وهي:
"نؤمن باللّه تعالى الواحد الأب صانع كلّ شي ء، مالك كلّ شي ء، صانع ما يرى وما لا يرى، وبالرّبّ الواحد المسيح ابن اللّه تعالى الواحد بكر الخلائق كلّها الّذي ولد من أبيه قبل العوالم كلّها وليس بمصنوع، إله حقّ، من إله حقّ، من جوهر أبيه الّذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كلّ شي ء الّذي من أجلنا معاشر النّاس، ومن أجل خلاصنا نزل من السّماء وتجسّد من روح القدس ومريم، وصار إنسانا وحبل به وولد من مريم البتول واتّجع، وصلب أيّام فيلاطس ودفن، وقام في اليوم الثّالث- كما هو مكتوب- وصعد إلى السّماء وجلس على يمين أبيه، وهو مستعدّ للمجي ء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحقّ الّذي يخرج من أبيه وبعموديّة واحدة لغفران الخطايا، والجماعة واحدة قدسيّة كاطولكيّة، وبالحياة الدّائمة إلى أبد الآبدين"انتهى.
وهذه جملة الأقاويل، وما لهؤلاء الكفرة من الأباطيل، وهي مع مخالفتها للعقول ومزاحمتها للأصول، ممّا لا مستند لها ولا معوّل لهم فيها غير التّقليد لأسلافهم، والأخذ بظواهر ألفاظ لا يحيطون بها علما، على أنّ ما سمّوه"أمانة"لا أصل له في شرع الإنجيل، ولا مأخوذة من قول المسيح، ولا من أقوال تلاميذه، وهو مع ذلك مضطرب متناقض متهافت يكذّب بعضه بعضا ويعارضه ويناقضه، وإذ قد علمت ذلك فاستمع لما يتلى عليك في ردّهم تتميما للفائدة وتأكيدا لإبطال تلك العقائد الفاسدة.
أمّا قولهم: بأنّ اللّه تعالى جوهر بالمعنى المذكور، فلا نزاع لنا معهم فيه من جهة المعنى بل من جهة الإطلاق اللّفظيّ سمعا، والأمر فيه هيّن، وأمّا حصرهم الأقانيم في ثلاثة: صفة الوجود، وصفة الحياة، وصفة العلم فباطل، لأنّه بعد تسليم أنّ صفة الوجود زائدة لو طولبوا بدليل الحصر لم يجدوا إليه سبيلا سوى قولهم: بحثنا فلم نجد غير ما ذكرناه، وهو غير يقينيّ كما لا يخفى، ثمّ هو باطل بما تحقّق في موضعه من وجوب صفة القدرة. والإرادة والسّمع والبصر والكلام.
فإن قالوا: الأقانيم هي خواصّ الجوهر وصفات نفسه، ومن حكمها أن تلزم الجوهر ولا تتعدّاه إلى غيره، وذلك متحقّق في الوجود والحياة، إذ لا تعلّق لوجود الذّات القديمة وحياتها بغيرها، وكذلك العلم؛ إذ العلم مختصّ بالجوهر من حيث هو معلوم به، وهذا بخلاف القدرة والإرادة فإنّهما لا اختصاص لهما بالذّات القديمة بل يتعلّقان بالغير ممّا هو مقدور ومراد، والذّات القديمة غير مقدورة ولا مرادة، وأيضا فإنّ الحياة تجزئ عن القدرة والإرادة، من حيث أنّ الحيّ لا يخلو عنهما، بخلاف العلم فإنّه قد يخلو عنه، ولأنّه يمتنع أجزاء الحياة عن العلم لاختصاص الحياة بامتناع جريان المبالغة والتّفضيل بخلاف العلم.
قلنا: أمّا قولهم: إنّ الوجود والحياة مختصّة بذات القديم- ولا تعلّق لهما بغيره- فمسلّم، ولكن يلزم عليه أن لا يكون العلم أقنوما لتعلّقه بغير ذات القديم إذ هو