فهرس الكتاب

الصفحة 4094 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 462

معلوم به. فلئن قالوا: العلم إنّما كان أقنوما، من حيث كان متعلّقا بذات القديم لا من حيث كان متعلّقا بغيره، فيلزمهم أن يكون البصر أقنوما لتعلّقه بذات القديم من حيث أنّه يرى نفسه ولم يقولوا به، ويلزمهم من ذلك أن يكون بقاء ذات اللّه تعالى أقنوما لاختصاص البقاء بنفسه وعدم تعلّقه بغيره، كما في الوجود والحياة. فلئن قالوا: البقاء هو نفس الوجود، فيلزم أن يكون الموجود في زمان حدوثه باقيا، وهو محال.

وقولهم: بأنّ الإرادة تجزئ عن القدرة والإرادة، إمّا أن يريدوا به أنّ القدرة والإرادة نفس الحياة، أو أنّهما خارجتان عنها لازمتان لها لا تفارقانها. فإن كان الأوّل فقد نقضوا مذهبهم، حيث قالوا: إنّ الحياة أقنوم لاختصاصها بجوهر القديم. والقدرة والإرادة غير مختصّتين بذات القديم تعالى، وذلك مشعر بالمغايرة ولا اتّحاد معها، وإن قالوا: إنّها لازمة لها مع المغايرة فهو ممنوع، فإنّه كما يجوز خلوّ الحيّ عن العلم، فكذلك قد يجوز خلوّه عن القدرة والإرادة، كما في حالة النّوم والإغماء مثلا، وقولهم: إنّه يمتنع أجزاء الحياة عن العلم لاختصاص العلم بالمبالغة والتّفضيل، فيلزم منه أن لا تكون مجزئة عن القدرة أيضا، لاختصاصها بهذا النّوع من المبالغة والتّفضيل.

وأمّا قولهم: بأنّ الكلمة حلّت في المسيح وتدرّعت به، فهو باطل من وجهين:

الأوّل: أنّه قد تحقّق امتناع حلول صفة القديم في غيره، الثّاني: أنّه ليس القول بحلول الكلمة أولى من القول بحلول الرّوح وهي الحياة.

ولئن قالوا: إنّما استدللنا على حلول العلم فيه لاختصاصه بعلوم لا يشاركه فيها غيره.

قلنا: أوّلا: لا نسلّم ذلك، فقد روى النّصارى أنّه عليه السّلام سئل عن القيامة فلم يجب، وقال: لا يعرفها إلّا اللّه تعالى وحده، وثانيا: سلّمنا لكنّه قد اختصّ عندكم بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وبأمور لا يقدر عليها غيره من المخلوقين بزعمكم، والقدرة عندكم في حكم الحياة إمّا بمعنى أنّها عينها، أو ملازمة لها، فوجب أن يقال: بحلول الحياة فيه، ولم تقولوا به.

وأمّا قول الملكانيّة بالتّثليث في الآلهة، وأنّ كلّ أقنوم إله، فلا يخلو إمّا أن يقولوا: إنّ كلّ واحد متّصف بصفات الإله تعالى من الوجود والحياة والعلم والقدرة، وغير ذلك من الصّفات، أو ألّا يقولوا به، فإن قالوا به فهو خلاف أصلهم، وهو مع ذلك ممتنع لقيام الأدلّة على امتناع إلهين.

وأيضا فإنّهم إمّا أن يقولوا: بأنّ جوهر القديم أيضا إله أو ألّا يقولوا. فإن كان الأوّل فقد أبطلوا مذهبهم، فإنّهم مجمعون على الثّالوث، وبقولهم هذا يلزم التّربيع، وإن كان الثّاني لم يجدوا إلى الفرق سبيلا، مع أنّ جوهر القديم أصل والأقانيم صفات تابعة، فكان أولى أن يكون إلها، وإن قالوا بالثّاني فحاصله يرجع إلى منازعة لفظيّة، والمرجع فيها إلى ورود الشّرع بجواز إطلاق ذلك.

وأمّا قولهم: بأنّ الكلمة امتزجت بجسد المسيح، فيبطله امتناع حلول صفات القديم بغير ذات اللّه تعالى، ودعواهم الاتّحاد ممتنعة من جهة الدّلالة والإلزام، أمّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت