فهرس الكتاب

الصفحة 4099 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 467

الثّاني: أنّ قولهم: إنّ يسوع المسيح ابن اللّه تعالى بكر الخلائق، مشعر بحدوث المسيح إذ لا معنى لكونه ابنه إلّا تأخّره عنه؛ إذ الوالد والولد لا يكونان معا في الوجود، وكونهما معا مستحيل ببداهة العقول، لأنّ الأب لا يخلو إمّا أن يكون ولد ولدا لم يزل أو لم يكن، فإن قالوا: ولد ولدا لم يزل، قلنا: فما ولد شيئا إذ الابن لم يزل، وإن ولد شيئا لم يكن، فالولد حادث مخلوق، وذلك مكذب لقولهم: إله حقّ من إله حقّ من جوهر أبيه، وأنّه أتقن العوالم بيده وخلق كلّ شي ء.

الثّالث: أنّ قولهم: إله حقّ من إله حقّ من جوهر أبيه، يناقضه قول المسيح في الإنجيل: وقد سئل عن يوم القيامة فقال: لا أعرفه ولا يعرفه إلّا الأب وحده. فلو كان من جوهر الأب لعلم ما يعلمه الأب، على أنّه لو جاز أن يكون إله ثان من إله أوّل لجاز أن يكون إله ثالث من إله ثان، ولما وقف الأمر على غاية وهو محال.

الرّابع: أنّ قولهم: إنّ يسوع أتقن العوالم بيده، وخلق كلّ شي ء باطل مكذب لما في الإنجيل؛ إذ يقول متّى: هذا مولد يسوع المسيح بن داود، وأيضا خالق العالم لا بدّ وأن يكون سابقا عليه، وأنّى بسبق المسيح وقد ولدته مريم؟ وأيضا في الإنجيل إنّ إبليس قال للمسيح: اسجد لي وأعطيك جميع العالم، وأملّكك كلّ شي ء، ولا زال يسحبه من مكان إلى مكان، ويحول بينه وبين مراده، ويطمع في تعبّده له، فكيف يكون خالق العالم محصورا في يد بعض العالم؟! نعوذ باللّه تعالى من الضّلالة.

الخامس: أنّ قولهم: المسيح الإله الحقّ الّذي نزل من السّماء لخلاص النّاس، وتجسّد من روح القدس، وصار إنسانا، وحبل به وولد، فيه عدّة مفاسد.

منها: أنّ المسيح لا يخصّ مجرّد الكلمة ولا مجرّد الجسد بل هو اسم يخصّ هذا الجسد الّذي ولدته مريم عليها السّلام، ولم تكن الكلمة في الأزل مسيحا، فبطل أن يكون هو الّذي نزل من السّماء.

ومنها: أنّ الّذي نزل من السّماء لا يخلو إمّا أن يكون الكلمة أو النّاسوت، فإن زعموا أنّ الّذي نزل هو النّاسوت فكذب صراح لأنّ ناسوته من مريم، وإن زعموا أنّه اللّاهوت، فيقال: لا يخلو إمّا أن يكون الذّات أو العلم المعبّر عنه بالكلمة، فإن كان الأوّل لزم لحوق النّقائص للباري عزّ اسمه، وإن كان الثّاني لزم انتقال الصّفة وبقاء الباري بلا علم، وذلك باطل.

ومنها: أنّ قولهم: إنّما نزل لخلاص معشر النّاس، يريدون به أنّ آدم عليه السّلام لمّا عصى أوثق سائر ذرّيّته في حبالة الشّيطان وأوجب عليهم الخلود في النّار، فكان خلاصهم بقتل المسيح وصلبه والتّنكيل به، وذلك دعوى لا دلالة عليها. هب أنّا سلّمناها لهم، لكن يقال:

أخبرونا ممّ هذا الخلاص الّذي تعني الإله الأزليّ له وفعل ما فعل بنفسه لأجله؟ ولم خلّصكم؟ وممّن خلّصكم؟ وكيف استقلّ بخلاصكم دون الأب والرّوح والرّبوبيّة بينهم؟ وكيف ابتذل وامتهن في خلاصكم دون الأب والرّوح؟ فإن زعموا أنّ الخلاص من تكاليف الدّنيا وهمومها أكذبهم الحسّ، وإن كان من تكاليف الشّرع وأنّهم قد حطّ عنهم الصّلاة والصّوم مثلا أكذبهم المسيح والحواريّون بما وضعوه عليهم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت