فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 470
روح اللّه تعالى للتّشريف والتّعظيم ك (ناقة اللّه) تعالى، وروح القدس إشارة إليه أيضا باعتبار ظهوره بصورة البشر السّويّ النّافخ في درع مريم عليها السّلام، والابن إشارة إلى عيسى عليه السّلام، وهو ابن لذلك الرّوح باعتبار أنّ تكوّنه بسبب نفخه، والأب هو الابن، والابن هو روح القدس في الحقيقة، والغيب المطلق منزّه مقدّس عن هذه الثّلاثة، فإنّه سبحانه من حيث هو لا شي ء معه، ولا يمكن أن يكون معه شي ء، فبسملة الإنجيل من مقام الصّفات الإلهيّة والأسماء الرّبّانيّة، لا من مقام الذّات الأقدسيّة.
ثمّ لا يتوهّمن متوهّم أنّ كلمات ساداتنا الصّوفيّة قدّس اللّه تعالى أسرارهم تدندن حول كلمات النّصارى، كما يزعمه من لا اطّلاع له على تحقيق كلامهم، ولا ذوق له في مشربهم، وذلك لأنّ القوم- نفعنا اللّه تعالى بهم- مبرؤون عمّا نسبه المحجوبون إليهم، من اعتقاد التّجسيم والعينيّة والاتّحاد والحلول.
أمّا أنّهم لم يقولوا بالتّجسيم فلما تقرّر عندهم من أنّ الحقّ سبحانه هو الوجود المحض الموجود بذاته القائم بذاته المتعيّن بذاته، وكلّ جسم فهو صورة في الوجود المنبسط على الحقائق المعبّر عنه بالعماء، متعيّنة بمقتضى استعداد ماهيّته المعدومة، ولا شي ء من الوجود المجرّد من الماهيّة، المتعيّن بذاته بالصّورة المتعيّنة في الوجود، المنبسط بمقتضى الماهيّة المعدومة، فلا شي ء من الجسم بالوجود المجرّد عن الماهيّة المتعيّن بذاته، وتنعكس إلى لا شي ء من الوجود، المجرّد عن الماهيّة، المتعيّن بذاته بجسم وهو المطلوب.
وأمّا أنّهم لم يقولوا بالعينيّة، فلأنّ الحقّ تعالى هو ما علمت من الوجود المحض، إلخ، والمخلوق هو الصّورة الظّاهرة في الوجود، المنبسط على الحقائق المتعيّن بحسب ماهيّته المعدومة، ولا شي ء من المجرّد عن الماهيّة المتعيّن بذاته بالمقترن بالماهيّة المتعيّن بحسبها. وممّا يشهد لذلك قول الشّيخ الأكبر قدّس سرّه في الباب الثّامن والخمسين والخمسمئة من"الفتوحات"في حضرة البديع بعد بسط: وهذا يدلّك على أنّ العالم ما هو عين الحقّ، وإنّما ظهر في الوجود الحقّ، إذ لو كان عين الحقّ ما صحّ كونه بديعا، وقوله في هذا الباب أيضا في قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ الأنعام: 19، انفرد سبحانه بعلمها، ونفى العلم عن كلّ ما سواه. فأثبتك في هذه الآية وأعلمك أنّك لست هو، إذ لو كنت هو لعلمت مفاتح الغيب بذاتك، وما لا تعلمه إلّا بموقف فلست عين الموقف، وكذا قال غير واحد.
وقال الشّيخ شرف الدّين إسماعيل بن سود كين في شرح التّجلّيّات، نقلا عن الشّيخ قدّس سرّه أيضا: لمّا ظهرت الممكنات بإظهار اللّه تعالى لها، وتحقّق ذلك تحقّقا لا يمكن للممكن أن يزيل هذه الحقيقة أبدا، فبقي متواضعا لكبرياء اللّه تعالى خاشعا له، وهذه سجدة الأبد، وهي عبارة عن معرفة العبد بحقيقته.
ومن هنا يعلم حقيقة قوله سبحانه:"كنت سمعه وبصره"الحديث، ولمّا لاح من هذا المشهد لبعض الضّعفاء لائح قال: أنا الحقّ فسكر وصاح، ولم يتحقّق لغيبته عن حقيقته انتهى.
وأمّا أنّهم لم يقولوا بالاتّحاد، فلأنّ الاتّحاد إمّا بصيرورة الوجود المحض المجرّد، المتعيّن بذاته وجودا