فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 471
مقترنا بالماهيّة المعدومة، متعيّنا بحسبها أو بالعكس، وذلك محال بوجهيه لأنّ التّجرّد عن الماهيّة ذاتيّ للحقّ تعالى، والاقتران بها ذاتيّ للممكن، وما بالذّات لا يزول.
وفي كتاب"المعرفة"للشّيخ الأكبر قدّس سرّه، إذا كان الاتّحاد مصيّر الذّاتين واحدة فهو محال لأنّه إن كان عين كلّ منهما موجودا في حال الاتّحاد فهما ذاتان وإن عدمت العين الواحدة وثبتت الأخرى فليست إلّا واحدة، وقال في كتاب"الياء"وهو كتاب الاتّحاد:
محال، وساق الكلام إلى أن قال: فلا اتّحاد ألبتّة لا من طريق المعنى ولا من طريق الصّورة، وقال في الباب الخامس من الفتوحات خطابا من الحقّ تعالى للرّوح الكلّيّ: وقد حجبتك عن معرفة كيفيّة إمدادي لك بالأسرار الإلهيّة، إذ لا طاقة لك بحمل مشاهدتها، إذ لو عرفتها لاتّحدت الإنّيّة واتّحاد الإنّيّة محال، فمشاهدتك لذلك محال، هل ترجع إنّيّة المركّب إنّيّة البسيط؟ لا سبيل إلى قلب الحقائق، وأمّا إنّهم لم يقولوا بالحلول فلأنّهم فسّروا الحلول تارة بأنّه الحصول على سبيل التّبعيّة، وتارة بأنّه كون الموجود في محلّ قائما به، ومن المعلوم أنّ الواجب تعالى- وهو الوجود المحض القائم بذاته المتعيّن كذلك- يستحيل عليه القيام بغيره.
قال الشّيخ الأكبر قدّس سرّه في الباب الثّاني والتّسعين ومئتين من الفتوحات: نور الشّمس إذا تجلّى في البدر يعطي من الحكم ما لا يعطيه من الحكم بغير البدر، لا شكّ في ذلك، كذلك الاقتدار الإلهيّ إذا تجلّى في العبد يظهر الأفعال عن الخلق، فهو وإن كان بالاقتدار الإلهيّ، لكن يختلف الحكم، لأنّه بواسطة هذا المجلى الّذي كان مثل المرآة لتجلّيه، وكما يعلم عقلا أنّ القمر في نفسه ليس فيه من نور الشّمس شي ء وإنّ الشّمس ما انتقلت إليها بذاتها وإنّما كان لها مجلى، كذلك العبد ليس فيه من خالقه شي ء ولا حلّ فيه وإنّما هو مجلى له وخاصّة ومظهر له، انتهى.
وهذا نصّ في نفي الحلول، ومنشأ غلط المحجوبين، المنكرين عدم الفهم لكلام هؤلاء السّادة، نفعنا اللّه تعالى بهم على وجهه، وعدم التّمييز بين الحلول والتّجلّي، ولم يعلموا أنّ كون الشّي ء مجليا لشي ء ليس كونه محلّا له، فإنّ الظّاهر في المرآة خارج عن المرآة بذاته قطعا، بخلاف الحال في محلّ فإنّه حاصل فيه، فالظّهور غير الحلول. فإنّ الظّهور في المظاهر للواسع القدّوس يجامع التّنزيه بخلاف الحلول، نعم وقع في كلامهم التّعبير بالحلول، ومرادهم به الظّهور.
وكان الأولى بحسب الظّاهر عدم التّعبير بمثل ذلك، ولكن للقوم أحوال ومقامات لا تصل إليها أفهامنا، ولعلّ عذرهم واضح عند المنصفين، إذا علمت ذلك وتحقّقت اختلاف النّصارى في عقائدهم، فاعلم أنّه سبحانه إنّما حكى في بعض الآيات قول بعض منهم، وفي بعض آخر قول آخرين، وحكاية دعواهم ألوهيّة مريم عليها السّلام كدعواهم ألوهيّة عيسى عليه السّلام، ممّا نطق بها القرآن ولم يشع ذلك عنهم صريحا، لكن يلزمهم ذلك بناء على ما حقّقه الإمام الرّازيّ رحمه اللّه تعالى، والنّصارى اليوم ينكرونه واللّه تعالى أصدق القائلين، ويمكن أن يقال: إنّ مدّعي ألوهيّتها عليها السّلام صريحا طائفة