فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 473
قد انتشر، وللّه الحمد، في ذلك مؤلّفات نافعة، بل ردّ عليهم فرق كثيرة منهم. فقد جاء في كتاب"الرّأي الصّواب وفصل الخطاب"للقسّ جبّارة ما صورته: إنّ المسيحيّين الموحّدين الّذين ظهروا منذ (80) سنة في أميركا، ولهم الآن ثلاثمئة كنيسة، والدّرجة الأولى في المعارف والمدارس والاجتماعات الأدبيّة، وكذلك لهم في انكلترا ثلاثمئة كنيسة وتآليف عديدة معتبرة، ويعتبرون القرآن كما يعتبرون الإنجيل والتّوراة كتبا إلهيّة، لا يؤمنون بتثليث الآلهة، أي إنّهم لا يعتقدون بكون السّيّد المسيح أو الرّوح القدس هو إله حقيقيّ، كاللّه الواجب الوجود، بل يعتقدون أنّ اللّه وحده هو الإله الحقّ، انتهى.
وفيه أيضا ما لفظه: كلّ الكتب المنزلة تعلّم بالوحدانيّة وتنفي تثليث الآلهة، أو كون اللّه ثلاثة. وتعلن صريحا بأوضح العبارة: أنّ اللّه واحد أحد، وأنّه لا إله حقّا سواه، انتهى.
وفي كتاب"سوسنة سليمان"ذكر فرق منهم متعدّدة صارت إلى إنكار ألوهيّة المسيح والرّوح القدس. وهذا الكتاب ساق من فرقهم العتيقة والحديثة واختلافهم ما يقضي بالعجب، ممّا يؤيّد ما قاله الحافظ ابن كثير: من أنّ لهم آراء مختلفة وأقوالا غير مؤتلفة، ولقد أحسن بعض المتكلّمين؛ حيث قال: لو اجتمع عشرة من النّصارى لافترقوا عن أحد عشر قولا، انتهى.
قال شيخ الإسلام تقيّ الدّين بن تيميّة في"الرّسالة القبرصيّة": فتفرّق النّصارى في التّثليث والاتّحاد تفرّقا، وتشتّتوا تشتيتا لا يقرّبه عاقل ولم يجئ نقل، إلّا كلمات متشابهات في الإنجيل وما قبله من الكتب، قد بيّنتها كلمات محكمات في الإنجيل وما قبله. كلّها تنطق بعبوديّة المسيح وعبادته للّه وحده، ودعائه وتضرّعه. ولمّا كان أصل الدّين هو الإيمان باللّه ورسله، كان أمر الدّين توحيد اللّه والإقرار برسله؛ فأرباب التّثليث في الوحدانيّة، والاتّحاد في الرّسالة، قد دخل في أصل دينهم من الفساد ما هو بيّن بفطرة اللّه الّتي فطر النّاس عليها، وبكتب اللّه الّتي أنزلها، انتهى.
وقد اجتمع لديّ، بحمده تعالى، حين كتابة هذه السّطور عشرون مؤلّفا في الرّدّ عليهم. وكلّها، وللّه الحمد، مطبوعة منتشرة، فلا حاجة للإطالة بالنّقل عنها، لسهولة الوقوف عليها.
قال الماورديّ في"أعلام النّبوّة": فأمّا النّصارى فقد كانوا- قبل أن تنصّر قسطنطين الملك- على دين صحيح، في توحيد اللّه تعالى ونبوّة عيسى عليه السّلام. ثمّ اختلفوا في عيسى بعد تنصّر قسطنطين، وهو أوّل من تنصّر من ملوك الرّوم، أي لأنّ الرّوم كانوا صابئة، ثمّ قهرهم على التّنصّر قسطنطين لمّا ملكهم. فقال أوائل النّسطوريّة: إنّ عيسى هو اللّه، وقال أوائل اليعاقبة: إنّه ابن اللّه، وقال أوائل الملكانيّة: إنّ الآلهة ثلاثة، أحدهم عيسى. ثمّ عدل أواخرهم عن التّصريح بهذا القول المستنكر، حين استنكرته النّفوس، ودفعته العقول، فقالوا: إنّ اللّه تعالى جوهر واحد، هو ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس. وأنّها واحدة في الجوهريّة، وأنّ أقنوم الأب هو الذّات، وأقنوم الابن هو الكلمة، وأقنوم روح القدس هو الحياة. واختلفوا في