فهرس الكتاب

الصفحة 4106 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 474

الأقانيم، فقال بعضهم: هي خواصّ، وقال بعضهم: هي أشخاص، وقال بعضهم: هي صفات. وقالوا: إنّ الكلمة اتّحدت بعيسى؛ واختلفوا في الاتّحاد.

ثمّ قال: وليس لهذه المذاهب شبهة تقبلها العقول، وفسادها ظاهر في المعقول، وقوله تعالى: انتهوا: أي عن التّثليث. (5: 1764)

رشيد رضا: أي فإذا كان الأمر كذلك وهو المعقول، الّذي لا تحتمل غيره النّقول، فآمنوا باللّه إيمانا يليق به وهو أنّه واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، تنزّه عن صفات الحوادث، ونسبتها إليه واحدة، وهي أنّها مخلوقة وهو الخالق، ومملوكة وهو المالك، وأنّ هذه الأرض في مجموع ملكه أقلّ من حبّة رمل بالنّسبة إلى اليابس منها، ومن نقطة ماء بالنّسبة إلى بحارها وأنهارها، فمن الجهل الفاضح أن يجعل له ندّ وكفؤ فيها، أو يقال: إنّه حلّ أو اتّحد بشي ء منها، وآمنوا برسله كلّهم، كما يليق بهم، وهو أنّهم عبيد له، خصّهم بضرب من العلم والهداية (الوحي) ليعلّموا النّاس كيف يوحّدون ربّهم ويعبدونه ويشكرونه، وكيف يزكّون أنفسهم، ويصلحون ذات بينهم. ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، أو:

اللّه ثلاثة أقانيم، كلّ منها عين الآخر، فكلّ منها إله كامل، ومجموعها إله واحد. فتسفّهوا أنفسكم بترك التّوحيد الخالص الّذي هو ملّة إبراهيم وسائر الأنبياء عليهم السّلام، والقول بالتّثليث الّذي هو عقيدة الوثنيّين الطّغام، ثمّ تدعوا الجمع بين التّثليث الحقيقيّ والتّوحيد الحقيقيّ، وهو تناقض تحيله العقول ولا تقبله الأفهام. [إلى أن قال:] وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا الأحزاب: 3، أي به الكفاية لمن عرفه وعرف سننه في خلقه إذا وكلوا إليه أمورهم، ولم يحاولوا الخروج عن سننه وشرائعه بسوء اختيارهم.

قلنا: إنّ هذه العقيدة وثنيّة، نقلها الوثنيّون المتنصّرون إلى النّصرانيّة، وقسروا بعض الألفاظ الواردة في كتبهم اليهوديّة على أن تغطيهم شبهة يتّكئون عليها في هذا التّضليل، وأرغموها عليه بضرب من التّحريف والتّأويل، هدّموا به آيات التّوحيد القويّة البنيان، العالية الأركان. أمّا كون هذه العقيدة وثنيّة فقد بيّنه علماء أوربّة بالتّفصيل، وأتوا عليه بالشّواهد الكثيرة من الآثار القديمة والتّاريخ، وإنّنا نشير إلى قليل منها في هذا المقام.

التّثليث عند البراهمة

قال موريس في ص (35) من المجلّد السّادس من كتابه"الآثار الهنديّة القديمة"ما ترجمته: كان عند أكثر الأمم الوثنيّة البائدة تعاليم دينيّة جاء فيها القول باللّاهوت الثّلاثيّ أو الثّالوثيّ. وقال دوان في ص (366) من كتابه"خرافات التّوراة وما يماثلها في الأديان الأخرى": إذا رجعنا البصر إلى الهند نرى أنّ أعظم وأشهر عبادتهم اللّاهوتيّة هو التّثليث. ويسمّون هذا التّعليم بلغتهم"ترى مورتي"وهي عبارة مركّبة من كلمتين بلغتهم السّنسكريتيّة"ترى"ومعناها ثلاثة، و"مورتي"ومعناها هيئات أو أقانيم، وهي"برهما وفشنو وسيفا"ثلاثة أقانيم متّحدة لا تنفكّ عن الوحدة فهي إله واحد بزعمهم.

وقد شرح المؤلّف معنى هذه الأصول أو الأقانيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت