فهرس الكتاب

الصفحة 4112 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 480

مكارم الشّيرازيّ: أسطورة التّثليث الوهميّة:

تتطرّق هذه الآية والآية الّتي تليها إلى واحد من أهمّ انحرافات الطّائفة المسيحيّة، وهذا الانحراف هو اعتقاد المسيحيّين بالتّثليث، أي وجود آلهة ثلاثة، ويأتي التّطرّق إلى هذا البحث في سياق البحوث القرآنيّة الّتي وردت في الآيات السّابقة، عن أهل الكتاب والكفّار.

فهذه الآية تحذّر في البداية أهل الكتاب من المغالاة والتّطرّف في دينهم، وتدعوهم أن لا يقولوا على اللّه غير الحقّ؛ حيث تقول: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ... النّساء: 171.

لقد كانت قضيّة الغلوّ في حقّ القادة السّابقين إحدى أخطر منابع الانحراف في الأديان السّماويّة، فالإنسان بما أنّه يميل إلى ذاته يندفع بهذا الميل إلى إظهار زعمائه وقادته بصورة أكبر ممّا هم عليه، لكي يضفي على نفسه الأهمّيّة والعظمة من خلال هؤلاء القادة، وقد يدفع الإنسان التّصوّر الواهي بأنّ الإيمان هو المبالغة والغلوّ في احترام وتعظيم القادة، إلى الوقوع في متاهات هذا النّوع من الانحراف الرّهيب.

والغلوّ في أصله ينطوي على عيب كبير يفسد العنصر الأساسيّ للدّين- الّذي هو عبادة اللّه وتوحيده- ولهذا السّبب فقد عامل الإسلام الغلاة أو المغالين بعنف وشدّة؛ إذ عرّفت كتب الفقه والعقائد هذه الفئة من النّاس بأنّهم أشدّ كفرا من الآخرين.

بعد ذلك تشير الآية الكريمة إلى عدّة نقاط، يعتبر كلّ واحد منها في حدّ ذاته دليلا على بطلان قضيّة التّثليث، وعدم صحّة ألوهيّة المسيح عليه السّلام، وهذه النّقاط هي:

1 -لقد حصرت الآية بنوّة السّيّد المسيح عليه السّلام بمريم عليها السّلام وإشارة البنوّة- هذه الواردة في ستّة عشر مكانا من القرآن الكريم- إنّما تؤكّد أنّ المسيح عليه السّلام هو إنسان كسائر النّاس، خلق في بطن أمّه، ومرّ بدور الجنين في ذلك الرّحم، وفتح عينيه على الدّنيا حين ولد من بطن مريم عليها السّلام، كما يولد أفراد البشر من بطون أمّهاتهم، ومرّ بفترة الرّضاعة وتربّى في حجر أمّه، ممّا يثبت بأنّه امتلك كلّ صفات البشر، فكيف يمكن- وحالة المسيح عليه السّلام هذه- أن يكون إلها أزليّا أبديّا، وهو في وجوده محكوم بالظّواهر والقوانين المادّيّة الطّبيعيّة، ويتأثّر بالتّحوّلات الجارية في عالم الوجود؟! وعبارة الحصر الّتي هي (انّما) الواردة في الآية تحصر بنوّة المسيح عليه السّلام بمريم عليها السّلام، وتؤكّد على أنّه وإن لم يكن له والد، فليس معنى ذلك أنّ أباه هو اللّه، بل هو فقط ابن مريم عليها السّلام.

2 -تؤكّد الآية الكريمة أنّ المسيح عليه السّلام هو رسول اللّه ومبعوث إلى البشر من قبله سبحانه وتعالى، وأنّ هذه المنزلة- أي منزلة النّبوّة- لا تتناسب ومقام الألوهيّة.

والجدير بالذّكر هو أنّ معظم كلام المسيح عليه السّلام الوارد قسم منه في الأناجيل المتداولة في الوقت الحاضر، إنّما يؤكّد نبوّته وبعثته لهداية النّاس، وليس فيه دلالة على ادّعائه والألوهيّة والرّبوبيّة.

3 -تبيّن الآية أنّ عيسى المسيح عليه السّلام هو كلمة اللّه الّتي ألقاها إلى مريم عليها السّلام؛ حيث تقول: وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت