فهرس الكتاب

الصفحة 4113 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 481

إِلى مَرْيَمَ النّساء: 171.

وقد وردت عبارة:"كلمة"في وصف المسيح في عدد من الآيات القرآنيّة، وهذه إشارة إلى كون المسيح مخلوقا بشريّا، إذ أنّ الكلمات مخلوقة من قبل اللّه، كما أنّ الموجودات في الكون من مخلوقاته عزّ وجلّ، فكما أنّ الكلمات تبيّن مكنونات أنفسنا- نحن البشر- وتدلّ على صفاتنا وأخلاقيّاتنا، فإنّ مخلوقات الكون تحكي صفات خالقها وجماله، وتدلّ على جلاله وعظمته.

وعلى هذا الأساس فقد وردت عبارة"كلمة"في عدد من العبارات القرآنيّة، لتشمل جميع مخلوقات اللّه، كما في الآية (109) من سورة الكهف والآية (29) من سورة لقمان، وبديهيّ أنّ الكلمات الإلهيّة تتفاوت بعضها عن البعض في المنزلة والأهمّيّة، وعيسى عليه السّلام، يعتبر إحدى كلمات اللّه البارزة الأهمّيّة، لكونه ولد من غير أب، إضافة إلى كونه يتمتّع بمقام الرّسالة الإلهيّة.

4 -تشير الآية إلى أنّ عيسى المسيح عليه السّلام هو روح مخلوقة من قبل اللّه؛ حيث تقول: وَرُوحٌ مِنْهُ وهذه العبارة الّتي وردت في شأن خلق آدم- أو بعبارة أخرى خلق البشر أجمعين- في القرآن الكريم، إنّما تدلّ على عظمة تلك الرّوح الّتي خلقها اللّه تعالى وأودعها في أفراد البشر بصورة عامّة، وفي المسيح عليه السّلام وسائر الأنبياء بصورة خاصّة.

وعلى الرّغم من أنّ البعض أساء الاستفادة من هذه العبارة، وفسّرها بأنّ المسيح عليه السّلام هو جزء من اللّه سبحانه وتعالى، مستندا إلى عبارة (منه) ولكنّ الواضح في مثل هذه الحالات أنّ كلمة"من"ليست للتّبعيض بل تدلّ على مصدر ومنشإ، وأصل وجود الشّي ء.

وهناك طرفة تاريخيّة تذكر أنّه كان لهارون الرّشيد طبيب نصرانيّ، دخل يوما في نقاش مع"عليّ بن الحسين الواقديّ"الّذي كان أحد المفكّرين الإسلاميّين في ذلك العصر، فقال له هذا الطّبيب:"توجد في كتابكم السّماويّ آية تبيّن أنّ المسيح عليه السّلام هو جزء من اللّه ..."وتلا هذا النّصرانيّ الآية موضوع البحث، فردّ عليه"الواقديّ"مباشرة تاليا هذه الآية: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ... الجاثية: 13، وأضاف مبيّنا أنّ كلمة (من) لو كانت تفيد التّبعيض، لاقتضى ذلك أن تكون جميع موجودات السّماء والأرض- بناء على هذه الآية- جزء من اللّه، فلمّا سمع الطّبيب النّصرانيّ كلام الواقديّ أسلم في الحال، وسرّ إسلامه هارون الرّشيد، فكافأ الواقديّ بجائزة مناسبة.

إنّ ما يثير العجب- إضافة إلى ما ذكر- هو أنّ المسيحيّين يرون ولادة المسيح من أمّ دون أب دليلا على ألوهيّته، وهم ينسون في هذا المجال أنّ آدم عليه السّلام كان قد ولد من غير أب، ولا أمّ، ولم ير أحد هذه الخصيصة الموجودة في آدم دليلا على ربوبيّته.

بعد ذلك تؤكّد الآية على ضرورة الإيمان باللّه الواحد الأحد وبأنبيائه، ونبذ عقيدة التّثليث، مبشّرة المؤمنين، بأنّهم إن نبذوا هذه العقيدة فسيكون ذلك خيرا لهم؛ حيث قالت الآية: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ... النّساء: 171.

وتعيد الآية التّأكيد على وحدانيّة اللّه قائلة: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ ... النّساء: 171، وهي تخاطب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت