فهرس الكتاب

الصفحة 4114 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 482

المسيحيّين، لأنّهم حين يدّعون التّثليث يقبلون- أيضا- بوحدانيّة اللّه، فلو كان للّه ولد لوجب أن يكون شبيهه، وهذه حالة تناقض أساس الوحدانيّة.

فكيف- إذن- يمكن أن يكون للّه ولد، وهو منزّه من نقص الحاجة إلى زوجة أو ولد، كما هو منزّه من نقائص التّجسيم وأعراضه؟ تقول الآية: سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ... النّساء: 171، واللّه هو مالك كلّ ما في السّماوات وما في الأرض، والموجودات كلّها مخلوقاته وهو خالقها جميعا، والمسيح عليه السّلام- أيضا- واحد من خلق اللّه، فكيف يمكن الادّعاء بهذا الاستثناء فيه؟ وهل يمكن المملوك والمخلوق أن يكون ابنا للمالك والخالق؟! حيث تؤكّد الآية: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... النّساء: 171، واللّه هو المدبّر والحافظ والرّازق والرّاعي لمخلوقاته، تقول الآية: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا النّساء: 171.

والحقيقة هي أنّ اللّه الأزليّ الأبديّ الّذي يرعى جميع الموجودات منذ الأزل إلى الأبد لا يحتاج مطلقا إلى ولد، فهل هو كسائر النّاس لكي يحتاج إلى ولد يخلفه من بعد الموت؟

عقيدة التّثليث أكبر خرافة مسيحيّة

ليس في الانحرافات الّتي تورّط بها العالم المسيحيّ أكبر من انحراف عقيدة التّثليث، لأنّ المسيحيّين يعتقدون صراحة بالثّالوث الإلهيّ، وهم في نفس الوقت يصرّحون بأنّ اللّه واحد! أي أنّهم يرون الحقيقة في التّثليث والتّوحيد في آن واحد.

وقد خلقت هذه القضيّة- الّتي لها حدّان متناقضان- مشكلة كبيرة للمفكّرين والباحثين المسيحيّين.

فلو كان المسيحيّون مستعدّين لقبول مسألة التّوحيد بأنّها"مجازيّة"وقبول مسألة التّثليث بأنّها مسألة"حقيقيّة"أو قبول العكس، لأمكن تبرير هذا الأمر، ولكنّهم يرون الحقيقة في الجمع بين هذين المتناقضين، فيقولون: إنّ الثّلاثة واحد كما يقولون إنّ الواحد ثلاثة في نفس الوقت.

وما يلاحظ من ادّعاء في الكتابات التّبشيريّة الأخيرة للمسيحيّين، والّتي توزّع للنّاس الجهلاء، من أنّ التّثليث شي ء مجازيّ، إنّما هو كلام مشوب بالرّياء، ولا يتلاءم مطلقا مع المصادر الأساسيّة للمسيحيّة، كما لا يتّفق مع الآراء والمعتقدات الحقيقيّة للمفكّرين المسيحيّين.

ويواجه المسيحيّون هنا قضيّة لا تتّفق مع العقل، فالمعادلة الّتي افترضوا فيها أنّ 1 - 3 لا يقبلها حتّى الأطفال الّذين هم في مرحلة الدّراسة الابتدائيّة، ولهذا السّبب ادّعوا أنّ هذه القضيّة لا تقاس بمقياس العقل، وطلبوا الإذعان بها عبر ما سمّوه بالرّؤية التّعبّديّة القلبيّة.

وكان هذا التّناقض منشأ للتّباعد الحاصل لديهم بين الدّين والعقل، وسببا لجرّ الدّين إلى متاهات خطيرة، الأمر الّذي اضطرّهم إلى القول بأنّ الدّين ليس له صلة بالعقل، أو ليس فيه الطّابع العقلانيّ، وأنّه ذو طابع تعبّديّ محض.

وهذا هو أساس التّناقض بين الدّين والعلم في منطق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت