فهرس الكتاب

الصفحة 4115 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 483

المسيحيّة، فالعلم يحكم بأنّ الثّلاثة لا تساوي الواحد، والمسيحيّة المعاصرة تصرّ على أنّهما متساويان!

ويجب الالتفات هنا إلى عدّة نقاط حول هذا الاعتقاد المسيحيّ:

1 -لم يشر أيّ من الأناجيل في الوقت الحاضر إلى مسألة التّثليث، لذلك يعتقد الباحثون المسيحيّون أنّ مصدر التّثليث في الأناجيل خفيّ وغير بارز، وفي هذا المجال يقول الباحث الأمريكيّ المستر هاكس:"إنّ قضيّة التّثليث تعتبر في العهدين القديم والجديد خفيّة وغير واضحة". (القاموس المقدّس- ص: 345، طبعة بيروت) .

وذكر المؤرّخون أنّ قضيّة التّثليث قد برزت بعد القرن الثّالث الميلاديّ لدى المسيحيّين، وإنّ منشأ هذه البدعة كان الغلوّ من جانب، واختلاط المسيحيّين، بالأقوام الأخرى من جانب آخر.

ويرى البعض احتمال أن يكون مصدر التّثليث عند المسيحيّين واردا من عقيدة الثّالوث الهنديّ، أي عبادة الهنود للآلهة الثّلاثة.

2 -إنّ قضيّة التّثليث القائلة بأنّ الثّلاثة واحد تعتبر أمرا غير معقول أبدا، ويرفضها العقل بالبداهة، والشّي ء الّذي نعرفه هو أنّ الدّين لا يمكنه أن يكون منفصلا عن العقل والعلم، فالعلم الحقيقيّ والدّين الواقعيّ كلاهما متّفقان ومتناسقان دائما- ولا يمكن القول بأنّ الدّين أمر تعبّديّ محض- لأنّنا لو أزحنا العقل جانبا عند قبول مبادئ الدّين وأذعنّا للعبادة العمياء الصّمّاء، فلا يبقى لدينا ما نميّز به بين الأديان المختلفة.

وفي هذه الحالة، أيّ دليل يوجب على الإنسان أن يعبد اللّه ولا يعبد الأصنام؟ وأيّ دليل يدعو المسيحيّين إلى التّبشير لدينهم لا للأديان الأخرى؟

ومن هذا المنطلق فإنّ الخصائص الّتي يراها المسيحيّون لدينهم ويصرّون على دعوة النّاس للقبول بها، هي بحدّ ذاتها دليل على أنّ الدّين يجب أن يعرف بمنطق العقل، وهذا يناقض دعواهم حول قضيّة التّثليث الّتي يرون فيها انفصال الدّين عن العقل.

وليس هناك كلام يستطيع تحطيم الدّين أشدّ وأقبح من أن يقال: إنّ الدّين لا يمتلك طابعا عقلانيّا ومنطقيّا، وأنّه ذو طابع تعبّديّ محض.

3 -إنّ الأدلّة العديدة الّتي يستشهد بها- في مجال إثبات التّوحيد، ووحدانيّة الذّات الإلهيّة- ترفض كلّ أنواع التّثنية أو التّثليث- فاللّه سبحانه وتعالى هو وجود مطلق لا يحدّ بالجهات، وهو أزليّ أبديّ لا حدود لعلمه ولقدرته ولقوّته.

وبديهيّ أنّه لا يمكن تصوّر التّثنية في اللّامتناهي، لأنّ فرض وجود لا متناهيين يجعل من هذين الاثنين متناهيين ومحدودين، لأنّ وجود الأوّل يفتقر إلى قدرة وقوّة. وجود الثّاني، كما أنّ وجود الثّاني يفتقر إلى وجود وخصائص الأوّل، وعلى هذا الأساس فإنّ كلا الوجودين محدودان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت