فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 484
وبعبارة أخرى: إنّنا لو افترضنا وجود لا متناهيين من جميع الجهات، فلابدّ حين يصل اللّامتناهي الأوّل إلى تخوم اللّامتناهي الثّاني ينتهي إلى هذا الحدّ، كما أنّ اللّامتناهي الثّاني حين يصل إلى حدّ اللّامتناهي الأوّل ينتهي هو أيضا، وعلى هذا الأساس فإنّ كليهما يكونان محدودين، ولا تنطبق صفة على أيّ منهما بل هما متناهيان محدودان، والنّتيحة هي أنّ ذات اللّه- الّذي هو وجود لا متناه- لا يمكن أن تقبل التّعدّد أبدا.
وهكذا فإنّنا لو اعتقدنا بأنّ الذّات الإلهيّة تتكوّن من الأقانيم الثّلاثة، لا يستلزم أن يكون كلّ من هذه الأقانيم محدودا. ولا تصحّ فيه صفة اللّامحدود واللّامتناهي، وكذلك فإنّ أيّ مركّب في تكوينه محتاجا إلى أجزائه الّتي تكوّنه، فوجود المركّب يكون معلولا لوجود أجزائه.
وإذا افترضنا التّركيب في ذات اللّه لزم أن تكون هذه الذّات محتاجة أو معلولة لعلّة سابقة، في حين أنّنا نعرف أنّ اللّه غير محتاج، وهو العلّة الأولى لعالم الوجود، وعلّة العلل كلّها منذ الأزل وإلى الأبد.
4 -وبالإضافة إلى كلّ ما ذكر، كيف يمكن للذّات الإلهيّة أن تتجسّد في هيكل إنسانيّ لتصبح محتاجة إلى الجسم والمكان والغذاء واللّباس وأمثالها؟
إنّ فرض الحدود للّه الأزليّ الأبديّ، أو تجسيده في هيكل إنسان، ووضعه جنينا في رحم أمّ، يعتبر من أقبح التّهم الّتي تلصق بذات اللّه المقدّسة المنزّهة عن كلّ النّقائص، كما أنّ افتراض وجود الابن للّه- وهو يستلزم عوارض التّجسيم المختلفة- إنّما هو افتراض غير منطقيّ، وبعيد عن العقل بعدا مطلقا.
وليس أدلّ على ذلك من رفض هذا الأمر من قبل أيّ إنسان لم ينشأ في محيط مسيحيّ ولم يترب منذ طفولته على هذه التّعليمات الوهميّة الخاطئة؛ حيث تولّد مثل هذه التّعابير المنافية لما تلهمه الفطرة الإنسانيّة، والمخالفة لما يحكم به العقل البشريّ، تؤكّد السّخط والاشمئزاز لدى هذا الإنسان حين سماعه لها، وإذا كان المسيحيّون أنفسهم لا يرون بأسا في كلمات مثل"اللّه الأب"و"اللّه الابن"فما ذلك إلّا لأنّهم جبلوا على هذه التّعاليم الخاطئة منذ نعومة أظفارهم.
5 -لوحظ في السّنين الأخيرة أنّ جماعة من المبشّرين المسيحيّين يلجؤون إلى أمثلة سفسطائيّة من أجل خداع الجهلاء من النّاس، في قبول قضيّة التّثليث.
من هذه الأمثلة قولهم: إنّ اجتماع التّوحيد والتّثليث معا يمكن تشبيهه بقرص الشّمس والنّور والحرارة النّابعتين من هذا القرص؛ حيث إنّها ثلاثة أشياء في شي ء واحد.
أو تشبيههم ذلك بانعكاس صورة إنسان في ثلاث مرايا في آن واحد، فهذا الإنسان مع كونه واحدا إلّا أنّه يظهر وكأنّه ثلاثة في المرايا الثّلاث، كما يشبّهون التّثليث بالمثلّث الّذي له ثلاث زوايا من الخارج، ويقولون: بأنّ هذه الزّوايا لو مدّت من الدّاخل لوصلت كلّها إلى نقطة واحدة.
لكنّنا بالتّعمّق قليلا في هذه الأمثلة يتبيّن لنا أن لا صلة لها بموضوع بحثنا الحاضر، فقرص الشّمس شي ء ونورها شي ء آخر، والنّور الّذي يتكوّن من الأشعّة فوق الحمراء يختلف عن الحرارة الّتي تتكوّن من الأشعّة دون