فهرس الكتاب

الصفحة 4117 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 485

الحمراء، وهذه الأشياء الثّلاثة تختلف الواحدة منها عن الأخرى من حيث النّظرة العلميّة، وهي ليست بمجموعها شيئا واحدا من خلال هذه النّظرة.

وإذا صحّ القول بأنّ هذه الأشياء الثّلاثة شي ء واحد، إنّما يكون ذلك من باب التّسامح، أو التّعبير المجازيّ ليس إلّا.

والأوضح من ذلك مثال الجسم والمرايا الثّلاث، فالصّورة الموجودة في المرايا عن الجسم ليس إلّا انعكاسا للنّور، وبديهيّ أنّ انعكاس النّور عن جسم معيّن غير ذات الجسم، وعلى هذا الأساس فليس هناك أيّ اتّحاد حقيقيّ أو ذاتيّ بين الجسم وصورته المنعكسة في المرآة، وهذه قضيّة يدركها حتّى الدّارس المبتدئ لعلم الفيزياء.

وأما في مثال المثلّث فالأمر واضح كما في المثالين السّابقين؛ حيث إنّ زوايا المثلّث المتعدّدة لا علاقة لها بالبداهة بالامتداد الدّاخليّ الحاصل للزّوايا، والّذي يوصلها جميعا إلى نقطة واحدة.

والّذي يثير العجب أكثر من ذلك، هو محاولة بعض المسيحيّين المستشرقين مطابقة قضيّة"التّوحيد في التّثليث"مع نظريّة"وحدة الوجود"الّتي يقول بها الصّوفيّون. والأمر الواضح من غير دليل في هذا المجال، هو أنّنا لو قبلنا بالنّظريّة الخاطئة والمنحرفة القائلة بوحدة الوجود، لاقتضى ذلك منّا أن نذعن بأنّ كلّ موجودات العالم أو الكون هي جزء من ذات اللّه سبحانه وتعالى، بل الإذعان بأنّها هي عين ذاته.

وعند ذلك لا يبقى معنى للتّثليث، بل تصبح جميع الموجودات- صغيرها وكبيرها- جزء أو مظهرا للّه سبحانه، وعلى هذا الأساس فلا يمكن أن تتطابق نظريّة التّثليث المسيحيّة بالنّظريّة الصّوفيّة القائلة بوحدة الوجود بأيّ شكل من الأشكال، علما بأنّ النّظريّة الصّوفيّة هذه قد دحضت وبان بطلانها.

6 -يقول بعض المسيحيّين أحيانا: إنّهم حين يسمّون المسيح عليه السّلام ب"ابن اللّه"إنّما يفعلون ذلك كما يفعل المسلمون في تسمية سبط الرّسول صلّى اللّه عليه وآله الحسين بن عليّ ابن أبي طالب عليه السّلام ب"ثار اللّه وابن ثاره"، أو كالتّسمية الّتي وردت في بعض الرّوايات لعليّ بن أبي طالب عليه السّلام حيث سمّي فيها ب"يد اللّه"، وهؤلاء المسيحيّون يفسّرون كلمة"ثار"بأنّها تعني الدّم، أي أنّ العبارة الواردة في الحسين الشّهيد عليه السّلام تعني"دم اللّه وابن دمه".

إنّ هذا الأمر هو عين الخطإ:

أوّلا: لأنّ العرب لم تطلق كلمة الثّأر أبدا لتعني بها الدّم، بل اعتبرت الثّأر دائما ثمنا للدّم، ولذلك فإنّ معنى العبارة أنّ اللّه هو الّذي يأخذ ثمن دم الحسين الشّهيد، وأنّ هذا الأمر منوط به سبحانه وتعالى، أي أنّ الحسين عليه السّلام لم يكن ملكا أو تابعا لعشيرة أو قبيلة معيّنة لتطالب بدمه، بل هو يخصّ العالم والبشريّة جمعاء ويكون تابعا لعالم الوجود وذات اللّه المقدّسة، ولذلك فإنّ اللّه هو الّذي يطالب ويأخذ ثمن دم هذا الشّهيد، فإنّ الحسين هو ابن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام الّذي استشهد في سبيل اللّه، واللّه هو الّذي يطالب ويأخذ ثمن دمه أيضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت