فهرس الكتاب

الصفحة 4122 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 490

[إلى آخر ما تقدّم عنه] .

فكان هو وكثير من المفسّرين والمؤرّخين المتقدّمين يرون- بحسب معرفتهم بحال نصارى زمنهم وما يروون عمّن قبلهم- أنّ الّذين يقولون من النّصارى: إنّ إلههم ثالث ثلاثة، هم غير الفرقة الّتي تقول منهم: إنّ اللّه هو المسيح بن مريم، وأنّ ثمّ فرقة ثالثة تقول: إنّ المسيح هو ابن اللّه وليس هو اللّه، ولا ثالث ثلاثة.

وأمّا النّصارى المتأخّرون فالّذي نعرفه منهم وعنهم أنّهم يقولون بالثّلاثة الأقانيم، وبأنّ كلّ واحد منها عين الآخر؛ فالأب عين الابن وعين روح القدس. ولمّا كان المسيح هو الابن كان عين الأب وروح القدس أيضا.

ومن العجيب أنّ بعض متأخّري المفسّرين ينقلون أقوال من قبلهم في أمثال هذه المسائل ويقرّونها، ولا يبحثون عن حال أهل زمنهم، ولا يشرحون حقيقة عقيدتهم. وقد سبق لنا بيان عقيدة التّثليث، وكون النّصارى أخذوها عن قدماء الوثنيّين، فارجع إلى تفسير وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ في أواخر سورة النّساء"ص:"

86 -95 ج: 6 تفسير"وبيّنّا قبيلها عقيدة الصّلب والفداء (ص: 23 - 55 ج: 6 تفسير) ثمّ بيّنّا عقيدة التّثليث في تفسير الآية (19) من هذه السّورة(ص:"

307 ج 6: تفسير) .

قال تعالى ردّا عليهم: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ أي قالوا قولهم هذا بلا رويّة ولا بصيرة، والحال أنّه ليس في الوجود ثلاثة آلهة ولا اثنان ولا أكثر من ذلك، لا يوجد إله مّا إلّا إله متّصف بالوحدانيّة، وهو اللّه الّذي لا تركيب في ذاته ولا تعدّد. وهذه العبارة أشدّ تأكيدا لنفي تعدّد الإله من عبارة: لا إله إلّا إله واحد، لأنّ (من) بعد (ما) تفيد استغراق النّفي وشموله لكلّ نوع من أنواع المتعدّد وكلّ فرد من أفراده، فليس ثمّ تعدّد ذوات وأعيان، ولا تعدّد أجناس أو أنواع، ولا تعدّد جزئيّات أو أجزاء.

والنّصارى قد اقتبسوا عقيدة التّثليث عمّن قبلهم ولم يفهموها، وعقلاؤهم يتمنّون لو يقدرون على التّفصّي منها، ولكنّهم إذا أنكروها بعد هذه الشّهرة تبطل ثقة العامّة بالنّصرانيّة كلّها، كما قال أحد عقلاء القسوس لبعض أهل العلم العصريّ من الشّبّان السّوريّين.

ومن الغريب أنّهم يعترفون بأنّ هذه العقيدة لا تعقل، ولكن بعضهم يحاول تأنيس النّفوس بها، بضرب أمثلة لا تصدق عليها، ككون الشّمس مركّبة من الجرم المشتعل والنّور والحرارة، قال الشّيخ ناصيف اليازجيّ:

نحن النّصارى آل عيسى المنتمي ... حسب التّأنّس للبتولة مريم

فهو الإله ابن الإله وروحه ... فثلاثة في واحد لم تقسم

للأب لا هوت ابنه وكذا ابنه ... وكذاهما والرّوح تحت تقنّم

كالشّمس يظهر جرمها بشعاعها ... وبحرّها والكلّ شمس فاعلم

فهو يقول: إنّ ربّهم جوهر له أعراض كسائر الجواهر والأجسام، ولكنّ العرض ليس عين الذّات.

فحرارة الشّمس ليست شمسا، ولا هي عين الجرم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت