فهرس الكتاب

الصفحة 4123 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 491

ولا عين الضّوء. فإذا لا يصحّ أن يكون الابن وروح القدس عين الأب!! وقد أورد صاحب"إظهار الحقّ"الحكاية الآتية، في بيان تخبّطهم في هذه المسألة، قال:

"نقل أنّه تنصّر ثلاثة أشخاص وعلّمهم بعض القسّيسين العقائد الضّروريّة سيّما عقيدة التّثليث."

وكانوا في خدمته، فجاء محبّ من أحبّاء هذا القسّيس وسأله عمّن تنصّر، فقال: ثلاثة أشخاص تنصّروا، فسأل هذا المحبّ: هل تعلّموا شيئا من العقائد الضّروريّة؟ فقال: نعم، وطلب واحدا منهم ليري محبّه، فسأله عن عقيدة التّثليث، فقال: إنّك علّمتني أنّ الآلهة ثلاثة، أحدهم الّذي هو في السّماء، والثّاني الّذي تولّد من بطن مريم العذراء، والثّالث الّذي نزل في صورة الحمامة على الإله الثّاني بعد ما صار ابن ثلاثين سنة. فغضب القسّيس وطرده، وقال: هذا مجهول، ثمّ طلب الآخر منهم وسأله، فقال: إنّك علّمتني أنّ الآلهة كانوا ثلاثة وصلب واحد منهم فالباقي إلهان. فغضب عليه القسّيس أيضا وطرده، ثمّ طلب الثّالث وكان ذكيّا بالنّسبة إلى الأوّلين وحريصا في حفظ العقائد فسأله، فقال:

يا مولاي حفظت ما علّمتني حفظا جيّدا، وفهمت فهما كاملا، بفضل السّيّد المسيح: أنّ الواحد ثلاثة والثّلاثة واحد، وصلب واحد منهم ومات، فمات الكلّ لأجل الاتّحاد، ولا إله الآن، وإلّا يلزم نفي الاتّحاد.

أقول: لا تقصير للمسؤولين، فإنّ هذه العقيدة يخبط فيها الجهلاء هكذا، ويتحيّر علماؤهم، ويعترفون بأنّا نعتقد ولا نفهم، ويعجزون عن تصويرها وبيانها.

المراغيّ: أي أقسم إنّ هؤلاء الّذين ادّعوا أنّ اللّه هو المسيح بن مريم، قد كفروا وضلّوا ضلالا بعيدا، إذ هم في إطرائه ومدحه غلوا أشدّ من غلوّ اليهود في الكفر به وتحقيره، وقولهم عليه وعلى أمّه الصّدّيقة بهتانا عظيما. وقد صارت هذه المقالة هي العقيدة الشّائعة عندهم، ومن عدل عنها عدّ مارقا من الدّين. فقالوا: إنّ الإله مركّب من ثلاثة أصول يسمّونها: الأقانيم الثّلاثة، وهي الأب والابن وروح القدس. فالمسيح هو الابن، واللّه هو الأب. وقد حلّ الأب في الابن واتّحد به، فكوّن روح القدس، وكلّ واحد من هذه الثّلاثة عين الآخرين.

وخلاصة ذلك: اللّه هو المسيح والمسيح هو اللّه، كما يزعمون.

ثمّ ذكر أنّ المسيح يكذّبكم في ذلك، فحكى عنه:

وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ المائدة: 72، أي والحال أنّ المسيح قال لهم ضدّ ما يقولون، فقد أمرهم بعبادة اللّه وحده، معترفا بأنّه ربّه وربّهم، ودعا بني إسرائيل الّذين أرسل إليهم إلى عبادة اللّه وحده، ولا يزال هذا الأمر محفوظا في الأناجيل الّتي كتبت لبيان بعض سيرته، ففي إنجيل يوحنّا:"و هذه هي الحياة الأبديّة أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ، وحدك ويسوع المسيح الّذي أرسلته"فدين المسيح مبنيّ على التّوحيد المحض، وهو دين اللّه الّذي أرسل به جميع رسله.

وفي هذه المقالة تنبيه إلى ما هو الحجّة القاطعة على فساد قول النّصارى، لأنّه عليه السّلام لم يفرّق بين نفسه وغيره في أنّ دلائل الحدوث ظاهرة على الجميع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت