فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 493
والرّوح إله، وهو ثلاثة، وهو واحد يضاهئون بذلك، نظير قولنا: إنّ زيد بن عمرو إنسان، فهناك أمور ثلاثة هي: زيد وابن عمرو والإنسان، وهناك أمر واحد وهو المنعوت بهذه النّعوت، وقد غفلوا عن أنّ هذه الكثرة إن كانت حقيقيّة غير اعتباريّة أوجبت الكثرة في المنعوت حقيقة، وأنّ المنعوت إن كان واحدا حقيقة أوجب ذلك أن تكون الكثرة اعتباريّة غير حقيقيّة، فالجمع بين هذه الكثرة العدديّة والوحدة العدديّة في زيد المنعوت بحسب الحقيقة، ممّا يستنكف العقل عن تعقّله.
ولذا ربّما ذكر بعض الدّعاة من النّصارى أنّ مسألة التّثليث من المسائل المأثورة، من مذاهب الأسلاف الّتي لا تقبل الحلّ بحسب الموازين العلميّة، ولم يتنبّه أنّ عليه أن يطالب الدّليل على كلّ دعوى يقرع سمعه، سواء كان من دعاوي الأسلاف أو من دعاوي الأخلاف. [إلى أن قال:]
ولمّا كان القول بالتّثليث الّذي تتضمّنه كلمة إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ليس في وسع عقول عامّة النّاس أن تتعقّله، فأغلب النّصارى يتلقّونه قولا مذهبيّا مسلّما بلفظه، من غير أن يعقلوا معناه، ولا أن يطمعوا في تعقّله، كما ليس في وسع العقل السّليم أن يعقله عقلا صحيحا، وإنّما يتعقّل كتعقّل الفروض المحالة كالإنسان اللّاإنسان، والعدد الّذي ليس بواحد ولا كثير ولا زوج ولا فرد، فلذلك تتسلّمه العامّة تسلّما من غير بحث عن معناه، وإنّما يعتقدون في البنوّة والأبوّة شبه معنى التّشريف، فهؤلاء في الحقيقة ليسوا من أهل التّثليث، وإنّما يمضغون الكلمة مضغا، وينتمون إليها انتماء، بخلاف غير العامّة منهم، وهم الّذين ينسب اللّه سبحانه إليهم اختلاف المذاهب، ويقرّر أنّ ذلك ببغيهم، كما قال تعالى:
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ - إلى أن قال- وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ الشّورى: 13، 14.
فالكفر الحقيقيّ الّذي لا ينتهي إلى استضعاف- وهو الّذي فيه إنكار التّوحيد والتّكذيب بآيات اللّه- إنّما يتمّ في بعضهم دون كلّهم، وإنّما أوعد اللّه بالنّار الخالدة الّذين كفروا وكذّبوا بآيات اللّه، قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ البقرة:
39، إلى غير ذلك من الآيات ...
ولعلّ هذا هو السّرّ في التّبعيض الظّاهر، من قوله:
لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ أو أنّ المراد به الإشارة إلى أنّ من النّصارى من لا يقول بالتّثليث، ولا يعتقد في المسيح إلّا أنّه عبد اللّه ورسوله، كما كانت على ذلك مسيحيّوا الحبشة وغيرها، على ما ضبطه التّاريخ، فالمعنى: لئن لم ينته النّصارى عمّا يقولون- نسبة قول بعض الجماعة إلى جميعهم- ليمسّنّ الّذين كفروا منهم- وهم القائلون بالتّثليث منهم- عذاب أليم.
وربّما وجّهوا الكلام، أعني قوله: لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ بأنّه من قبيل وضع الظّاهر موضع المضمر، والأصل: ليمسّنّهم، انتهى. وإنّما عدل إلى وضع