فهرس الكتاب

الصفحة 4126 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 494

الموصول وصلته مكانه ليدلّ على أنّ ذلك القول كفر باللّه، وأنّ الكفر سبب العذاب الّذي توعّدهم به.

وهذا وجه لا بأس به لو لا أنّ الآية مصدّرة بقوله:

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ونظيره في البعد قول بعض آخر: إنّ (من) في قوله: (منهم) بيانيّة، فإنّه قول من غير دليل.

قوله تعالى: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ المائدة: 74، تحضيض على التّوبة والاستغفار، وتذكير بمغفرة اللّه ورحمته، أو إنكار أو توبيخ.

قوله تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ المائدة: 75، ردّ لقولهم: إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ أو لقولهم هذا وقولهم المحكيّ في الآية السّابقة: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ جميعا، ومحصّله اشتمال المسيح على جوهرة الألوهيّة، بأنّ المسيح لا يفارق سائر رسل اللّه الّذين توفّاهم اللّه من قبله، كانوا بشرا مرسلين من غير أن يكونوا أربابا من دون اللّه سبحانه، وكذلك أمّه مريم كانت صدّيقة تصدق بآيات اللّه تعالى وهي بشر. وقد كان هو وأمّه جميعا يأكلان الطّعام، وأكل الطّعام مع ما يتعقّبه مبنيّ على أساس الحاجة الّتي هو أوّل أمارة من أمارات الإمكان والمصنوعيّة، فقد كان المسيح عليه السّلام ممكنا متولّدا من ممكن، وعبدا ورسولا مخلوقا من أمّه، كانا يعبدان اللّه، ويجريان في سبيل الحاجة والافتقار، من دون أن يكون ربّا.

وما بيد القوم من كتب الإنجيل معترفة بذلك تصرّح بكون مريم فتاة كانت تؤمن باللّه وتعبده، وتصرّح بأنّ عيسى تولّد منها كالإنسان من الإنسان، وتصرّح بأنّ عيسى كان رسولا من اللّه إلى النّاس كسائر الرّسل، وتصرّح بأنّ عيسى وأمّه مريم كانا يأكلان الطّعام.

فهذه أمور صرّحت بها الأناجيل، وهي حجج على كونه عليه السّلام عبدا رسولا.

ويمكن أن تكون الآية مسوقة لنفي ألوهيّة المسيح وأمّه كليهما، على ما يظهر من قوله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ المائدة:

116، أنّه كان هناك من يقول بألوهيّتها كالمسيح، أو أنّ المراد به اتّخاذها إلها، كما ينسب إلى أهل الكتاب أنّهم اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه، وذلك بالخضوع لها ولهم، بما لا يخضع لبشر بمثله.

وكيف كان فالآية على هذا التّقدير تنفي عن المسيح وأمّه معا الألوهيّة، بأنّ المسيح كان رسولا كسائر الرّسل، وأمّه كانت صدّيقة، وهما معا كانا يأكلان الطّعام، وذلك كلّه ينافي الألوهيّة. (6: 70)

مكارم الشّيرازيّ: سبق أن أشرنا إلى أنّ تاريخ المسيحيّة يقول: لم يكن التّثليث معروفا في القرون الأولى من المسيحيّة، ولا حتّى على عهد المسيح عليه السّلام، بل إنّ الأناجيل الموجودة- على الرّغم من كلّ ما فيها من تحريفات وإضافات- ليس فيها أدنى إشارة إلى التّثليث، وهذا ما يعترف به المحقّقون المسيحيّون أنفسهم، وعليه فإنّ ما ورد في الآية المذكورة عن إصرار المسيح عليه السّلام على مسألة التّوحيد إنّما ينسجم مع المصادر المسيحيّة الموجودة، ويعتبر من دلائل عظمة القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت