المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 423
ذلِكَ إلى نبإ ابني آدم المذكور في الآيات السّابقة، أي إنّ وقوع تلك الحادثة الفجيعة كان سببا لكتابتنا على بني إسرائيل كذا وكذا.
وربّما قيل: إنّ قوله: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ متعلّق بقوله في الآية السّابقة: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ المائدة: 31، أي كان ذلك سببا لندامته. وهذا القول وإن كان في نفسه غير بعيد كما في قوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ* فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ... البقرة: 219 - 220، إلّا أنّ لازم ذلك كون قوله: كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ مفتتح الكلام، والمعهود من السّياقات القرآنيّة أن يؤتى في مثل ذلك بواو الاستئناف، كما في آية البقرة المذكورة آنفا وغيرها.
وأمّا وجه الإشارة في قوله: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ إلى قصّة ابني آدم، فهو أنّ القصّة تدلّ على أنّ من طباع هذا النّوع الإنسانيّ أن يحمله إتّباع الهوى والحسد الّذي هو الحنق للنّاس بما ليس في اختيارهم أن يحمله أوهن شي ء على منازعة الرّبوبيّة، وإبطال غرض الخلقة بقتل أحدهم أخاه من نوعه، وحتّى شقيقه لأبيه وأمّه. (5: 314)
الوجوه والنّظائر
الدّامغانيّ:"أجل"على خمسة أوجه:
فوجه منها: بمعنى الموت، قال اللّه عزّ وجلّ: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها، يعني موتها، نظيره: ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ الأنعام: 2.
الثّاني: الأجل: الوقت؛ قوله عزّ وجلّ: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ القصص: 28، يعني الوقتين، وقيل:
الشّرطين.
الثّالث: الأجل: الهلاك، قوله عزّ وجلّ: وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ الأعراف: 185، يعني هلاكهم.
الرّابع: الأجل: العدّة، قوله تعالى: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَ الطّلاق: 2، أي عدّتهنّ، كقوله: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ البقرة: 231، أي عدّتهنّ.
الخامس: الأجل: العذاب؛ قوله تعالى: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ نوح: 4، يعني إنّ عذاب اللّه إذا جاء لا يؤخّر. (18)
الفيروزاباديّ: [قال مثل الدّامغانيّ وأضاف:]
والأجل في الأصل موضوع للمدّة المضروبة للشّي ء؛ قال اللّه تعالى: وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى المؤمن: 67، ويقال: للمدّة المضروبة لحياة الإنسان: أجل، فيقال:
دنا أجله، عبارة عن دنوّ الموت، وأصله استيفاء الأجل، أي مدّة الحياة.
وقوله: وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا الأنعام:
128، أي حدّ الموت، وقيل: حدّ الهرم.
وقوله: ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى الأنعام: 2، فالأوّل البقاء في هذه الدّنيا، والثّاني البقاء في الآخرة.