فهرس الكتاب

الصفحة 4158 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 526

ثالثا: هناك خلاف بينهم في تفسير (الاوّلين) و (الاخرين) في الآيتين، فالأكثر حملوا (الاوّلين) في الآية الأولى على الأمم السّابقة، و (الاخرين) على هذه الأمّة. فقالوا: إنّ السّابقين منهم أكثر من السّابقين من هذه الأمّة، وردّ الفخر الرّازيّ هذا الرّأي بأنّه خلاف ما وعده اللّه في هذه الأمّة من الكرامة.

وبعض جعلهم جميعا من هذه الأمّة، فالسّابقون من المهاجرين والأنصار والتّابعين لهم بإحسان لهم الدّرجة العليا بالنّسبة إلى الّذين بعدهم من المؤمنين. فقلّ فيهم من يوازي أولئك، كيف وقد جاء فيهم: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ التّوبة: 100، ولا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى الحديد: 10.

ويشهد على هذا الوجه ما سبق منّا أنّ الأصناف الثّلاثة في هذه الأمّة هم المخاطبون بقوله: وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً، وهي خطاب للمسلمين دون الأمم الأخرى.

وقال محمّد جواد مغنيّه:"إنّ (الاوّلين) إشارة إلى عصر الإسلام الذّهبيّ، يوم كان له قوّة وسلطان، وكان المؤمنون يؤمنون به قولا وعملا ويدافعون عنه بالأرواح والأموال. وأنّ (الاخرين) إشارة إلى القلّة القليلة من المؤمنين في العصور المتأخّرة".

ونقول: الشّطر الأوّل منه ترحيب بأولئك الّذين حملوا لواء الإسلام على عواتقهم في القرون الأولى بعد الهجرة، ونشروا هذا الدّين شرقا وغربا، وهم جمهور المسلمين عامّة، دون فريق منهم خاصّة، ولكنّ كثيرا من أهل مذهبه لا يرضون بهذا التّرحيب والتّقريب، فيدينون أولئك بما نعلم منهم ونقرأ. وكيف كان، فما قاله في الشّطر الأوّل حقّ، وأمّا الشّطر الثّاني من كلامه فإيئاس من اللّاحقين، وأنّى نعلم ما ذا سيحدث فيما بعد؟

ولا سيّما مع البشارة الأكيدة في الكتاب والسّنّة بغلبة هذا الدّين على غيره من الأديان، ولا سيّما في عصر الإمام المهديّ عليه السّلام؛ حيث يملأ اللّه به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.

ونحن وإن نوافقه على التّرحيب بالأوّلين وعلى هذا القصور- بل التّقصير- في المتأخّرين من المسلمين، لكنّنا لا نوافقه على حمل الآية عليهم.

هذا كلّه في الآية الأولى، أمّا الآية الثّانية فكلا الثّلّتين فيها تفسير لأصحاب اليمين كما تقدّم، وإن وقع بينهم خلاف فيهما أيضا في أنّهما من هذه الأمّة، استنادا إلى قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله:"هما جميعا من أمّتي". أو أنّ (الاوّلين) خاصّ بالأمم السّابقة، و (الاخرين) خاصّ بهذه الأمّة، وهو مرويّ أيضا عن بعض الأئمّة عليهم السّلام.

والأقرب عندنا هو الأوّل، لأنّ سياق السّورة- من أوّلها إلى آخرها- خطاب للمسلمين، ولا مانع من وجود هذه الأصناف الثّلاثة في الأمم الأخرى أيضا، بل هذا أمر طبيعيّ، فالتّفاوت بين النّاس في كلّ زمان موجود.

رابعا: جاء تفسير"ثلّة"في النّصوص بالكثرة والقلّة معا، وهي في الأصل بمعنى الجمع والمجموع، وهو إلى الكثرة أقرب من القلّة، إلّا أنّه لم تؤخذ"الكثرة"في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت