فهرس الكتاب

الصفحة 4267 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 634

الصّدر فهو خفيّ، أي أنّهم يضمرون الكفر والتّولّي عن الحقّ وعداوة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.

ومنها: أنّه باق على حقيقته، والمعنى أنّهم إذا رأوا النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام فعلوا ذلك وولّوه ظهورهم.

والظّاهر أنّ اللّام متعلّقة ب (يثنون) على سائر الاحتمالات، وكأنّ بعضهم رأى عدم صحّة التّعلّق على الاحتمال الأوّل، لما أنّ التّولّي عن الحقّ لا يصلح تعليله بالاستخفاء لعدم السّببيّة، فقدّر لذلك متعلّقا فعل الإرادة على أنّه حال، أو معطوف على ما قبله، أي ويريدون ليستخفوا من اللّه تعالى، فلا يطّلع رسوله عليه الصّلاة والسّلام والمؤمنين على أغراضهم، وجعله في قود المعنى إليه من قبيل الإضمار في قوله تعالى: اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ الشّعراء: 63، أي فضرب فانفلق.

لكن لا يخفى أنّ انسياق الذّهن إلى توسيط الإرادة بين ثني الصّدور والاستخفاء ليس بمثابة انسياقه إلى توسيط الضّرب بين الأمر والانفلاق، كما ذكره العلّامة القسطلانيّ وغيره.

وقيل: إنّه لا حاجة إلى التّقدير في الاحتمالين الأوّلين، لأنّ انحرافهم عن الحقّ بقلوبهم، وعطف صدورهم على الكفر والتّولّي، وعداوة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وعدم إظهارهم ذلك يجوز أن يكون للاستخفاء من اللّه تعالى، لجهلهم بما لا يجوز على اللّه تعالى.

وأمّا على الاحتمال الثّالث فالظّاهر أنّه لا بدّ من التّقدير، إلّا أن يعاد الضّمير منه إلى الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو الّذي يقتضيه سبب النّزول، على ما ذكره أبو حيّان من أنّ الآية نزلت في بعض الكفّار الّذين كانوا إذا لقيهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تطامنوا وثنوا صدورهم كالمستتر، وردّوا إليه ظهورهم، وغشّوا وجوههم بثيابهم، تباعدا منه وكراهة للقائه عليه الصّلاة والسّلام، وهم يظنّون أنّه يخفى عليه صلّى اللّه عليه وسلّم، لكن ظاهر قوله تعالى الآتي: يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ* يقتضي عود الضّمير إليه تعالى.

واختار بعض المحقّقين الاحتمال الثّاني من الاحتمالات الثّلاث، وأمر التّعليل والضّمير عليه ظاهر. [ثمّ ذكر أقوال المفسّرين كابن عبّاس وأبي حيّان وعبد اللّه بن شدّاد وله بحث مستوفى في القراءة فراجع] (11: 209)

رشيد رضا: فسّر بعضهم ثني الصّدور هنا بالإعراض التّامّ، والاستدبار للرّسول عند تلاوة القرآن، وهو أبلغ من ثني العطف والجانب. وفسّره آخرون بطيّها على ما هو مكنون فيها من الكراهة والعداوة له صلّى اللّه عليه وسلّم.

والأقرب أن يكون تصويرا لما كان يحاوله بعض الكفّار، ثمّ المنافقين عند سماع القرآن، من الاستخفاء بتنكيس الرّأس، وثني الصّدر على البطن- كما يطوي الثّوب- حتّى يخفى فاعله بين الجمع، خجلا ممّا فيه من القرع والصّداع.

فالمعنى ألا إنّ هؤلاء الكافرين الكارهين لدعوة التّوحيد يحنون ظهورهم وينكسون رؤوسهم، كأنّهم يحاولون طيّ صدورهم على بطونهم عند سماع القرآن، وهو معنى بليغ وواقع، وأدنى إلى التّعليل بقوله:

لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أي من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم. (12: 10)

عزّة دروزة: يلوونها كما يفعل الّذي يريد أن يخفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت