فهرس الكتاب

الصفحة 4460 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 827

نخلة جبارة، أي طويلة لا ينال ثمرها بالأيدي.

إنّ سكّان تلك البلاد في ذلك الحين هم بني عناق، وكانوا أولي قوّة وبأس، طوال القامة ضخام الأجسام، وقد ورد في وصفهم في الإسرائيليّات من الخرافات الّتي كان يبثّها اليهود في المسلمين مالا يصدقه العقل، ولا ينطبق على ما عرف من سنن اللّه في خلقه، كقولهم:

إنّ العيون"الجواسيس"الاثني عشر الّذين بعثهم موسى إلى ماوراء الأردن ليتجسّسوا، ويخبروه بحال تلك الأرض ومن فيها قبل أن يدخلها قومه، رآهم أحد الجبّارين فوضعهم كلّهم في كسائه.

وفي رواية أخرى: إنّ أحدهم كان يجني الفاكهة فكان كلّما أصاب واحدا من هؤلاء العيون وضعه في كمّه مع الفاكهة، إلى نحو أولئك من روايات بعيدة عن الصّدق، فالمصريّون هم هم، ونسل الكنعانيّين مشاهد معروف لا يمكن أن تكون أصوله على ما وصفوا.

وهذه القصّة مبسوطة في السّفر الرّابع من أسفار التّوراة ففيها: إنّ الجواسيس تجسّسوا أرض كنعان كما أمروا، وأنّهم قطعوا في عودتهم زرجونة فيها عنقود عنب واحد، حملوه بعتلة بين اثنين منهم مع شي ء من الرّمّان والتّين، وقالوا لموسى وهو في ملإ بني إسرائيل:

قد صرنا إلى الأرض الّتي بعثتنا إليها فإذا هي بالحقيقة تدرّ لبنا وعسلا وهذا ثمرها، غير أنّ الشّعب السّاكنين فيها أقوياء، والمدن حصينة عظيمة جدّا، ورأينا ثمّ أيضا بني عناق .. إلى أن قال: وقد رأينا ثمّ من الجبابرة، جبابرة بني عناق، فصرنا في عيوننا كالجراد، وكذلك كنّا في عيونهم. وذكر في فصل آخر: تذمّر بني إسرائيل من أمر موسى لهم بدخول تلك الأرض، وأنّهم بكوا وتمنّوا لو أنّهم ماتوا في أرض مصر أو في البرّيّة، وقالوا: لماذا أتى الرّبّ إلى هذه الأرض حتّى نسقط تحت السّيف، وتصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة، أليس خيرا لنا أن نرجع إلى مصر؟ إلخ.

والخلاصة: إنّ موسى لمّا قرب بقومه من حدود الأرض المقدّسة العامرة الآهلة، أمرهم بدخولها مع الاستعداد لقتال من يقاتلهم من أهلها، وإنّهم لما غلب عليهم من الضّعف والذّلّ واضطهاد المصريّين لهم وظلمهم إيّاهم، أبوا وتمرّدوا واعتذروا بضعفهم وقوّة أهل تلك البلاد وحاولوا الرّجوع إلى مصر، وقالوا لموسى: إنّا لن ندخل هذه الأرض مادام هؤلاء الجبّارون فيها، وقولهم: فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ المائدة:

22، تأكيد لما فهم ممّا قبله مشعر بأنّه لا علّة لا متناعهم إلّا ما ذكروه.

وفي إجابتهم هذه دليل على منتهى الضّعف وخور العزيمة، وعلى أنّهم لا يريدون أن يأخذوا شيئا باستعمال قواهم البدنيّة ولا العقليّة، ولا أن يدفعوا الشّرّ عن أنفسهم ولا أن يجلبوا لها الخير، بل يريدون أن يعيشوا بالخوارق والآيات ماداموا في هذه الحياة.

ولا شكّ أنّ أمّة كهذه لا تستحقّ أن تتمتّع بنعيم الاستقلال، وتحيا حياة العزّ والكرامة، وتكون ذات تصرّف مطلق في شؤونها، ومن ثمّ لم تقم لها دولة بعد وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا الكهف: 49. (6: 91)

الطّباطبائيّ: [ذكر الآية، ثمّ حكى بعض كلام الرّاغب المتقدّم وقال:]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت