فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 830
وكذلك ذكر مثل هذا وأشنع منه غير ابن جرير والسّيوطيّ وبعض المفسّرين والقصّيصين، وهي كما قال ابن قتيبة: أحاديث خرافة، كانت مشهورة في الجاهليّة، ألصقت بالحديث بقصد الإفساد.
وإليك ما ذكره الإمام الحافظ النّاقد ابن كثير في تفسيره، قال: وقد ذكر كثير من المفسّرين هاهنا أخبارا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبّارين، وأنّ منهم عوج بن عنق بنت آدم عليه السّلام، وأنّه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمئة وثلاثة وثلاثون ذراعا، وثلث ذراع، تحرير الحساب، وهذا شي ء يستحى من ذكره، ثمّ هو مخالف لما ثبت في الصّحيحين: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال:"إنّ اللّه خلق آدم، وطوله ستّون ذراعا، ثمّ لم يزل الخلق ينقص حتّى الآن"، ثمّ ذكروا: أنّ هذا الرّجل كان كافرا، وأنّه كان ولد زنيّة، وأنّه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأنّ الطّوفان لم يصل إلى ركبتيه. وهذا كذب وافتراء، فإنّ اللّه تعالى ذكر: أنّ نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا نوح: 26، وقال تعالى:
فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ الشّعراء: 119، 120، وقال تعالى:
لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ هود: 43، وإذا كان ابن نوح الكافر غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق، وهو كافر، وولد زنيّة؟! هذا لا يسوغ في عقل، ولا شرع، ثمّ في وجود رجل يقال له: عوج بن عنق، نظر، واللّه أعلم.
وقال ابن قيّم الجوزيّة، بعد أن ذكر حديث عوج:
"و ليس العجب من جرأة من وضع هذا الحديث، وكذب على اللّه، وإنّما العجب ممّن يدخل هذا في كتب العلم من التّفسير وغيره، فكلّ ذلك من وضع زنادقة أهل الكتاب الّذين قصدوا الاستهزاء، والسّخريّة بالرّسل وأتباعهم".
قال أبو شهبة: وسواء أكان عوج بن عنق شخصيّة وجدت حقيقة، أو شخصيّة خياليّة، فالّذي ننكره هو: ما أضفوه عليه من صفات وما حاكوه حوله من أثواب الزّور والكذب والتّجرّؤ، على أن يفسّر كتاب اللّه بهذا الهراء. وليس في نصّ القرآن ما يشير إلى ما حكوه وذكروه، ولو من بعد، أو وجه الاحتمال، ثمّ أين زمن نوح من زمن موسى عليه السّلام وما يدلّ عليه آية: قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها، كان في زمن موسى قطعا، ولا مرية في هذا، فهل طالت الحياة بعوج حتّى زمن موسى؟! بل قالوا: إنّ موسى هو الّذي قتله، ألا لعن اللّه اليهود، فكم من علم أفسدوا وكم من خرافات وأباطيل وضعوا.
الأشباه والنّظائر
مقاتل: تفسير الجبّار على أربعة وجوه:
فوجه منها الجبّار: يعنى القهّار الخالق، وهو اللّه تبارك وتعالى، فذلك قوله في الحشر: 23 الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ، يعني القاهر لخلقه لما أراد. وقال اللّه للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ق: 45، يعني بمسيطر فتقهرهم على الإسلام.