فهرس الكتاب

الصفحة 4497 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 864

اليابسة وتنزل بها إلى البحار، ثمّ تعود مياه البحار إلى التّبخّر فيبقى الملح بها، وتزداد كمّيّته بذلك عاما وراء عام.

وممّا يدلّ على ذلك أنّ البحيرات المنقطعة والّتي يقلّ نزول المطر فيها مثل البحر الميّت في فلسطين، والبحر الأحمر أكثر ملوحة من المحيطات الكبيرة، فالماء يتبخّر من هذين البحرين كثيرا لوقوعهما في منطقة دافئة ويقلّ نزول المطر فيهما فتقلّ عذوبتهما، وليست أرضنا مستوية السّطح، إذ فيها نتوءات نسمّيها جبالا في بعض الأمكنة وفيها غؤورات في أمكنة أخرى نسمّيها محيطات، ولكن الجبال والبحار إذا قسناهما إلى حجم الأرض لم تكونا إلّا بمثابة خدوش بسيطة لا يحسب لها حساب.

وأهمّ عامل في انحدار المياه إلى المحيطات وسبب ملوحتها هو الجبال، فما هو أصل الجبال؟ في الأرض الآن عدّة براكين خامدة تدلّ على أنّ حرارة باطن الأرض كانت في الزّمن القديم أشدّ ممّا هي الآن، وبديهيّ أنّ مثل هذه الحرارة كانت كثيرا ما تحدث نتوء أو أغوارا في قشرة الأرض، ولكن السّبب الأهمّ الّذي يعزى إليه الآن ارتفاع الجبال وتكوّنها هو الأنهار، وهي أيضا سبب العصور الجليديّة الّتي تناوبت العالم جملة مرار، وكيفيّة ذلك أنّ الأمطار إذا وقعت على اليابسة حملت معها ما تذيبه من جوامد اليابسة، وشقّت لها طريقا فيها حتّى تصل إلى البحر فتنصبّ فيه، فإذا توالى هذا جملة آلاف من السّنين ثقل قعر البحر الّذي انصبّت فيه هذه المياه، فإذا لم يستطع قعر البحر أن يحمل ما عليه من تراكم هذه الموادّ الّتي حملتها إليه الأنهار غار إلى أسفل، وهو في غؤوره يدفع باطن اليابسة إلى النّتوء على نحو ما يحدث إذا صنعنا كرة من العجين إذا ضغطنا على جزء منها فغار نتأ جزء آخر يجاوره.

والجبال الحاضرة يدلّ بعضها على أنّها كانت يوما مّا مغمورة بماء البحر بدليل ما يوجد فيها من متحجّرات الأصداف الّتي لا تعيش إلّا في المياه الملحة، فالأنهار هي أصل الجبال، والجبال هي أصل العصور الجليديّة واختلاف مناخ البلدان في الأزمنة القديمة، وكيفيّة ذلك أنّ الجبل إذا ارتفع بلغ طبقة رقيقة من الهواء فتتشعّع منه حرارة الشّمس، ولهذا نجد الحرّ في السّهول، ونجد البرد بل الثّلج أحيانا في الجبال، لأنّ الهواء إذا تكاثف في السّهول، صار بمثابة الغطاء واللّحاف فيحفظ بذلك الحرارة. أمّا إذا رقّ على الجبال فليس هناك إذن ما يمسك الحرارة، فإذا امتلأت البحار بما تحمله إليها الأنهار غارت قعورها فنتأت عندئذ الجبال، فإذا سقطت عليها الأمطار جمدت وصارت ثلجا، ثمّ يأخذ الثّلج في الانحدار على الجبال ويذهب أيضا إلى البحر حاملا معه شيئا كثيرا من اليابسة، والجبال تتآكل وتتحاتّ بانحدار الثّلج حتّى تذهب قممها فلا تجمد الأمطار عليها لأنّها غير مرتفعة، وهنا تأخذ السّيول في جرف الجبال فيزيد تحاتّها ويسرع هذا في إثقال قعور البحار، وارتفاع الجبال وتحاتّها كلاهما يؤدّي إلى تغيّر المناخ وإلى زيادة مياه البحر أو نقصها، فإذا كانت الجبال مرتفعة حدث ما يسمّى"عصرا جليديّا"فتشتدّ البرودة وتنقص مياه البحار لأنّ المطر الّذي تتكوّن سحبه من بخار مياه المحيطات يقع على هذه الجبال فيجمد ولا ينزل إلى البحر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت