فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 865
إلّا ببطء، ففي العصر الجليديّ الأخير مثلا كانت مياه البحر المتوسّط قليلة حتّى إنّ أوربّا كانت متّصلة بأفريقيا في عدّه أماكن، وكانت انجلترا متّصلة بأوربّا، وكانت آسيا متّصلة بشمالي أمريكا، وكان مناخ مصر أبرد ممّا هو الآن، لأنّ عصر الجليد في أوروبّا كان عصر الأمطار في مصر، وكان جبل المقطّم وهو قاحل الآن حافلا بالحيوان والنّبات ممّا لا نزال نجد متحجّراتهما للآن.
وقد انتاب العالم حسب تحقيق العلماء الآن خمسة عصور جليديّة كانت سببا في إبادة أنواع عديدة من الحيوان والنّبات ونتوء أنواع أخرى.
ومن ذلك يتبيّن للقارئ أنّ جبالنا الزّاهية لن تعيش إلى الأبد فإنّها ستتحاتّ من سيلان الماء عليها، ثمّ يثقل قعر البحر فيسيخ ويغور، وتظهر جبال جديدة في أماكن أخرى، وكذلك شكل قارّات العالم لم يكن كما هو الآن وظاهر من غربيّ أوروبّا وأفريقيا ومطابقته لشرقيّ أمريكا الشّماليّة والجنوبيّة، أنّ أمريكا كانت جزء متّصلا بأوروبّا وإفريقيا.
تذكرة في قوله تعالى:
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ الغاشية: 17 - 20.
ربّاه! أحمدك على نعمة العلم، وأشكرك على جميل صنعك وإبداعك، وعلى رأفتك بنا ورحمتك، أنت تعلم أنّ تفسير هذه السّورة آن زمان طبعه، فأوعزت إلى أحد رجال ألمانيا اسمه"ليون"وزوجته أن يدعوا ناشر هذا التّفسير وأنا معه لسياحة في بعض جبال مصر يوم الأحد 10 شوّال سنة 1351 ه الموافق شهر يناير سنة 1933 م شرقي بلدة المعادي المصريّة الّتي في طريق"حلوان"فماذا ظهر؟ ظهر أنّ هذه السّياحة لتحقيق تفسير هذه الآية، أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ الآية، لقد ظهر في الكشف الحديث أنّ الجبال إنّما تخلق أوّلا في البحر، وكأنّ هذه الأرض امرأة والبحر رحمها، وهذا الرّحم فيه مبدأ خلق كلّ شي ء، فمنه مبدأ حياة هذه الأحياء الأرضيّة، ومنه مبدأ تكوين الجبال، ثمّ تكون هناك تغيّرات عامّه فيصبح البرّ بحرا والبحر برّا. اللّه أكبر! هذا الّذي كنّا نقرؤه في الكتب، ونرى أنّهم يقولون: إنّهم رأوا في الجبال قواقع ومحارا ونحوها ممّا هو خاصّ بالبحار. رأيته أنا في ذلك اليوم رأي العين على شاطئ واد من أودية جبالنا المصريّة البعيدة عن بلدة المعادى نحو 7 كيلو مترات، وهناك واديان أكبرهما يسمّى"وادي التّيه"الّذي حلّت فيه عساكر نابليون لمّا هجم على مصر فهلك كثير منهم، ولقد رأيت بعيني رأسي القواقع محجّرة وأنواع المحار والصّدف وعظام السّمك، وأنواعا من السّمك المسمّى"نجم السّمك"الّذي تقدّم في هذا التّفسير كثيرا وكلّها محجّرة، وهكذا رأيت قطعة من الخشب محجّرة، فدلّ ذلك على أنّ هذه كلّها كانت في بحر لجّيّ عظيم فانقلب أودية وصحارى وجبالا، فالبرّ كان بحرا، والبحر كان برّا، والّذي أدهشني أنّ"ليون"الألمانيّ وزوجته كانا يعرفان هذه الأودية وصفاتها وخواصّها وهما يتوجّهان للرّياضة فيها برّا، ويقولان: لم نر أحدا من المصريّين قطّ في هذه الأماكن وإنّما يؤمّها الأوروبّيّون، وقد قالت زوجة ليون: