فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 875
ب وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ ص: 15، فيسيّر اللّه تعالى عندها الجبال فتمرّ مرّ السّحاب، فتكون سرابا، وترجّ الأرض بأهلها رجّا، فتكون كالسّفينة الموثقة في البحر، أو كالقنديل المعلّق ترججه الأرواح، فإنّه ممّا لا ارتباط له بالمقام قطعا، والحقّ الّذي لا محيد عنه ما قدّمناه، وممّا هو نصّ في الباب ما سيأتي من وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ النّمل: 89.
الآلوسيّ: وَتَرَى الْجِبالَ عطف على (ينفخ) داخل في حكم التّذكير، (و ترى) من رؤية العين، وقوله تعالى: تَحْسَبُها جامِدَةً أي ثابتة في أماكنها لا تتحرّك حال من فاعل (ترى) أو من مفعوله، وجوّز أن يكون بدلا من سابقه، وقوله عزّ وجلّ: وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حال من ضمير (الجبال) في (تحسبها) ، وجوّز أن يكون حالا من ضميرها في (جامدة) ، ومنعه أبو البقاء لاستلزامه أن تكون جامدة ومارّة في وقت واحد، أي وترى الجبال رأي العين ساكنة والحال أنّها تمرّ في الجوّ مرّ السّحاب الّتي تسيّرها الرّياح سيرا حثيثا، وذلك أنّ الأجرام المجتمعة المتكاثرة العدد على وجه الالتصاق إذا تحرّكت نحو سمت لا تكاد تبين حركتها، وعليه قول النّابغة الجعديّ في وصف جيش:
بأر عن مثل الطّود تحسب أنّهم ... وقوف لحاج والرّكاب تهملج
وقيل: شبّه مرّها بمرّ السّحاب في كونها تسير سيرا وسطا، كما قال الأعشى:
كأنّ مشيتها من بيت جارتها ... مرّ السّحاب لا ريث ولا عجل
والمشهور في وجه الشّبه السّرعة، وإنّ منشأ الحسبان المذكور ما سمعت. وقيل: إنّ حسبان الرّائي إيّاها جامدة مع مرورها، لهول ذلك اليوم، فليس له ثبوت ذهن في الفكر في ذلك حتّى يتحقّق كونها جامدة. وليس بذاك وقد أدمج في التّشبيه المذكور تشبيه حال (الجبال) بحال (السّحاب) في تخلخل الأجزاء وانتفاشها، كما في وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ القارعة: 5، واختلف في وقت هذا. [ثمّ ذكر كلام أبي السّعود وأضاف:]
وقال بعضهم: إنّه ممّا يقع عند النّفخة الأولى وذلك أنّه ترجف الأرض والجبال ثمّ تنفصل الجبال عن الأرض وتسير في الجوّ ثمّ تسقط فتصير كثيبا مهيلا ثمّ هباء منبثّا، ويرشد إلى أنّ هذه الصّيرورة ممّا لا يترتّب على الرّجفة ولا تعقبها بلا مهلة: العطف بالواو دون الفاء في يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا المزّمّل: 14، والتّعبير الماضي في وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ الكهف: 47 لتحقّق الوقوع كما مرّ آنفا، واليوم في وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ الآية. ويَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ إلخ يجوز أن يجعل اسما للحين الواسع الّذي يقع فيه ما يكون عند النّفخة الأولى من النّسف والتّبديل، وما يكون عند النّفخة الثّانية من اتّباع الدّاعي والبروز للّه تعالى الواحد القهّار، وقد حمل اليوم على ما يسع ما يكون عند النّفختين في فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ* وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا