فهرس الكتاب

الصفحة 4509 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 876

دَكَّةً واحِدَةً* فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ* ... يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ الحاقّة: 13 - 18. وهذا كما تقول: جئته عام كذا، وإنّما مجيئك في وقت من أوقاته. وقد ذهب غير واحد إلى أنّ تبديل الأرض كالبروز بعد النّفخة الثّانية، لما في صحيح مسلم عن عائشة"قلت يا رسول اللّه أرأيت قول اللّه تعالى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ فأين يكون النّاس؟ قال على الصّراط". وجاء في غير خبر ما يدلّ على أنّه قبل النّفخة الأولى، وجمع صاحب"الإفصاح"بين الأخبار بأنّ التّبديل يقع مرّتين مرّة قبل النّفخة الأولى وأخرى بعد النّفخة الثّانية، وحكى في"البحر"أنّ أوّل الصّفات ارتجاجها، ثمّ صيرورتها كالعهن المنفوش، ثمّ كالهباء بأن تتقطّع بعد أن كانت كالعهن، ثمّ نسفها بإرسال الرّياح عليها، ثمّ تطييرها بالرّيح في الجوّ كأنّها غبار، ثمّ كونها سرابا، وهذا كلّه على ما يقتضيه كلام السّفارينيّ قبل النّفخة الثّانية، ومن تتبّع الأخبار وجدها ظاهرة في ذلك، والآية هنا تحتمل كون الرّؤية المذكورة فيها قبل النّفخة الثّانية وكونها قبلها، فتأمّل.

القاسميّ: وَتَرَى الْجِبالَ عطف على (ينفخ) داخل في حكم التّذكير تَحْسَبُها جامِدَةً أي ثابتة في أماكنها وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ أي في تخلّل أجزائها وانتفاشها، كما في قوله تعالى: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ القارعة: 5، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ ءٍ، إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ النّمل: 88، أي فيجازيهم عليه.

تنبيه:

ما ذكرناه في تفسير هذه الآية هو ما ذهب إليه كثير.

قالوا: المراد بهذه الآية تسيير الجبال الّذي يحصل يوم القيامة، حينما يبيد اللّه تعالى العوالم، كما قال: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا النّبأ: 20، وكما قال: وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ، وقال: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ.

وقال بعض علماء الفلك: لا يمكن أن يكون المراد بهذه ما قالوه؛ لعدّة وجوه:

الأوّل: أنّ وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً، لا يناسب مقام التّهويل والتّخويف إذا أريد بها ما يحصل يوم القيامة، وكذلك قوله صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ ءٍ لا يناسب مقام الإهلاك والإبادة، على أنّ محلّ هذه الآية على المستقبل، مع أنّها صريحة في إرادة الحال، شي ء لا موجب له، وهو خلاف الظّاهر منها.

الثّاني: أنّ سير الجبال للفناء يوم القيامة، يحصل عند خراب العالم وإهلاك جميع الخلائق. وهذا شي ء لا يراه أحد من البشر، كما قال: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ الزّمر:

68، أي من الملائكة. فما معنى قوله إذن: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً؟ النّمل: 88.

الثّالث: أنّ تسيير الجبال الّذي يحصل يوم القيامة، إذا رآه أحد شعر به، لأنّه مادام وضعها يتغيّر بالنّسبة للإنسان، فيحسّ بحركتها. وهذا ينافي قوله تعالى:

تَحْسَبُها جامِدَةً أي ثابتة. أمّا في الدّنيا فلا نشعر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت