فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 879
تدور حول نفسها مرّة كلّ يوم؟ ألم يكن في إعلان هذه الحقيقة ما يدخل اللّبس على قلوب المؤمنين، فوق ما يحرّك ألسنة المشركين بالبهت والتّكذيب.
والجواب- واللّه أعلم- أنّ النّظم القرآنيّ، قد جاء على صورة تدفع هذا الاحتمال من جانبيه جميعا.
فأوّلا: يقرّر القرآن صراحة أنّ الجبال ثابتة في مرأى العين. وهذا لا يجادل فيه أحد، وهذا هو السّرّ في تَحْسَبُها جامِدَةً، وكما يقول سبحانه: وَالْجِبالَ أَرْساها النّازعات: 32، وكما يقول جلّ شأنه:
وَالْجِبالَ أَوْتادًا النّبأ: 7.
وثانيا: إنّ هذه الجبال الثّابتة في مرأى العين، هي في حقيقتها متحرّكة، وهذه الحركة حقيقة لا تنكشف إلّا بالعلم والبحث، لأنّها قائمة وراء هذا الظّاهر. فمن كان في استطاعته أن يبحث ويدرس، فليفعل، وسيجد مصداق ذلك، ومن لم يكن عنده هذا الاستعداد، فهو بين رجلين: مؤمن باللّه وبآياته، مصدّق بكلّ ما نزل على الرّسول من ربّه. وهذا لا يماري في هذه الحقيقة، ولا يشكّ فيها، وإنّما هو مؤمن بها، مسلّم بما تحدّث بها القرآن عنها، ناظرا إلى اليوم الّذي يقع له من العلم ما يكشف له عن وجه هذه الحقيقة. ومشرك، أو كافر باللّه، فهو مكذّب بآيات اللّه كلّها، جلّيها وخفيّها.
فلا يدخل عليه من هذه الآية إلّا ما امتلأ به قلبه من جحود وإنكار.
وقوله: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ ءٍ، صُنْعَ اللَّهِ منصوب على الإغراء بفعل محذوف، تقديره:
انظر، أو تأمّل، أو نحو هذا.
وفي هذا دعوة إلى البحث عن هذه الحقيقة الّتي أشارت إليها الآية الكريمة من أمر الجبال، وتحرّكها مع تحرّك الأرض في دورتها اليوميّة. فالّذين يؤمنون باللّه، ويصدّقون بكلماته، يستيقنون أنّ هنا حقيقة كامنة، تشير إليها الآية الكريمة، ولا تكشف عن وجهها، وأنّ على المؤمن أن يطلب هذه الحقيقة، وأن يشهد بعض جلال اللّه منها.
والمفسّرون مجمعون على أنّ ذلك الّذي تحدّث عنه الآية في شأن الجبال، إنّما يقع يوم القيامة، حين تتبدّل الأرض غير الأرض والسّماوات، وكما يقول اللّه تعالى:
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا النّبأ: 20.
على أنّ الّذي حملنا على مخالفة هذا الإجماع، هو ما جاء في صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ ءٍ فإنّ ذلك التفات إلى روعة الصّنعة وإحكامها، وهذا لا يكون واقعا في نظر الإنسان يوم القيامة وهو يرى الجبال وقد تناثرت أشلاء!
وإنّما يرى ذلك، وهي قائمة ثابتة، ثمّ هي في نفس الوقت متحرّكة تدور مع الأرض في دورانها دون أن تسقط وتهوى، وفي هذا يتجلّى إحكام الصّنع وإتقانه.
وهنا سؤال أيضا وهو: إذا كان ذلك كذلك، فلم لم تنكشف هذه الحقيقة للمسلمين الأوّلين؟ ولم لم يطلبها الصّحابة، ولم يكلّفوا أنفسهم البحث عنها، وهم أعرف النّاس بكتاب اللّه، وأقربهم من مواقع الحقّ فيه؟
ونقول: إنّ صحابة رسول اللّه- رضوان اللّه عليهم- كان متعلّقتهم بآيات اللّه، هو الجانب الرّوحيّ منها، ولم يكن يعنيهم من هذا الوجود ظواهره، وإنّما كان همّهم