فهرس الكتاب

الصفحة 4513 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 880

حقيقته ولبابه، وما انطوى عليه من علم وحكمة، وتقدير. إنّهم كانوا في مستوى روحيّ رفيع؛ بحيث يصغر في أعينهم كلّ ما هو مادّيّ، وإن بهر العيون، وخلب الألباب. وإذن فلانسأل إذا كان صحابة رسول اللّه قد اطّلعوا على هذه الحقيقة من أمر الجبال أم لم يطّلعوا، لأنّها كانت أقلّ الحقائق الّتي اطّلعوا عليها، وشغلوا بها، من عالم الحقّ.

ومن جهة أخرى فإنّ من كان يعرف هذه الحقيقة لم يكن يرى من الحكمة التّحدّث بها، وإذاعتها في المجتمع؛ إذ كانت ممّا لا تصدّقه العقول يومئذ، فالحديث به فتنة، تشغل النّاس، وتثير دخانا كثيفا من الشّكوك والرّيب، ذلك في الوقت الّذي كانت فيه وجهة الدّعوة الإسلاميّة هي محاربة الشّرك والإلحاد، وتوجيه العقول والقلوب إلى وحدانيّة الإله الواحد، المتفرّد بالخلق والأمر، ربّ العالمين. فكلّ ما من شأنه أن يشغل عن هذه الغاية، هو في الواقع حركة مضادّة لدعوة الإسلام، وحرب خفيّة عليها.

ولعلّ هذا هو السّرّ في أنّ المرحلة الأولى من الدّعوة الإسلاميّة، قد خلت تماما من التّعرّض للحقائق العلميّة، الّتي تشغل العقول عن النّظر المباشر إلى جلال اللّه سبحانه وتعالى، في صفحة هذا الوجود، نظرا يملأ القلوب روعة وخشوعا، ورهبة لهذا الإبداع الّذي يتمثّل في كلّ كائن من تلك الكائنات المبثوثة في الأرض أو في السّماء. فإنّ زهرة واحدة مثلا، في جمال ألوانها وتناسق أصباغها، وتماثل أجزائها، جديرة بأن تفتح للإنسان طريقا إلى اللّه، وإلى الإيمان به، إيمانا وثيقا، مبرّأ من كلّ شرك، وشكّ.

ومن أجل هذا، لم يلق القرآن الكريم أولئك الّذين كانوا يريدون أن يدخلوا معه في ميدان المماحكة والجدل، لم يلقهم محاجّا أو مجادلا، بل صرف وجهه عنهم، ودعاهم إلى أن يلتمسوا الطّهر لقلوبهم من داء الشّرك أوّلا، فإذا فعلوا ذلك كان كلّ شي ء يقع لهم من علم- وإن قلّ- مبارك العطاء، طيب الثّمر. وفي هذا يقول اللّه تعالى ردّا على من سألوا هذا السّؤال المتعنّت عن الأهلّة: ما بالها تبدو صغيرة، ثمّ تكبر، ثمّ تعود فتصغر؟: قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ البقرة: 189.

ومن أجل هذا أيضا أمسك كثير من صحابة رسول اللّه، بما كشف لهم الرّسول- صلوات اللّه وسلامه عليه- من أسرار هذا الوجود، في العالم الأرضيّ والسّماويّ، لأنّها كانت فوق أن يحتملها غيرهم. ولو أنّها ذاعت في النّاس يومئذ لكانت فتنة لهم، وكذلك فعل كثير من أهل العلم، الّذين حلّقت أرواحهم، في سماوات عالميّة، فرأوا بشفّافيّة أرواحهم مالا يراه غيرهم. [ثمّ استشهد بشعر]

مكارم الشّيرازيّ: والآية التّالية تشير إلى إحدى آيات عظمة اللّه في هذا العالم الواسع، فتقول:

وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها الآية، فهذا الّذي لديه كلّ هذا النّظم والإبداع في الخلق، لا ريب في علمه وإِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ.

يعتقد كثير من المفسّرين أنّ هذه الآية تشير إلى الحوادث الّتي يقع بين يدي القيامة، لأنّنا نعرف أنّ في نهاية هذه الدّنيا تقع زلازل وانفجارات هائلة، وتتلاشى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت