فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 881
الجبال وتنفصل بعضها عن بعض، وهذه اللّطيفة مشار إليها في السّور الأخيرة من القرآن كرارا. ووقوع الآية في سياق آيات القيامة دليل وشاهد على هذا التّفسير.
إلّا أنّ قرائن كثيرة في الآية تؤيّد تفسيرا آخر، وهو أنّ هذه الآية من قبيل آيات التّوحيد ودلائل عظمة اللّه في هذه الدّنيا، وتشير إلى حركة الأرض الّتي لا نحسّ بها.
وتوضيح ذلك:
1 -إنّ الآية تقول: تحسب الجبال ساكنة وجامدة مع أنّها تمرّ مرّ السّحاب. وهذا التّعبير واضح أنّه لا ينسجم مع الحوادث الّتي تقع بين يدي القيامة، لأنّ هذه الحوادث من الوضوح بمكان؛ بحيث يعبّر عنها القرآن يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى الحجّ: 2.
2 -تشبيه حركة الجبال بحركة السّحاب يتناسب مع الحركات المتناسقة الهادئة، ولا يتناسب والإنفجارات العظيمة الّتي تصطكّ منها المسامع.
3 -التّعبير الآنف الذّكر يدلّ على أنّه في الوقت الّذي ترى الجبال بحسب الظّاهر جامدة، إلّا أنّها في الواقع تتحرّك بسرعة، على حالتها الّتي ترى فيها جامدة، أي أنّ الحالتين تبيّنان شيئا واحدا.
4 -والتّعبير"بالإتقان"الّذي يعني الإحكام والتّنظيم، يتناسب واستقرار نظام العالم، ولا يتناسب وزمان انهياره وتلاشيه.
5 -جملة إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ مع ملاحظة أنّ (تفعلون) فعل مضارع، تدلّ على أنّها تتعلّق بهذه الدّنيا، لأنّها تقول: إنّ اللّه خبير بأعمالكم الّتي تصدر في الحال والمستقبل. ولو كانت ترتبط بانتهاء العالم، لكان ينبغي أن يقال: إنّه خبير بما فعلتم، فتأمّلوا بدقّة.
ويستفاد من مجموع هذه القرائن- بدقّة- أنّ هذه الآية تكشف عن إحدى عجائب الخلق، وهي في الواقع تشبه ما جاء في الآيتين آنفتي الذّكر أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ النّمل: 87.
وبناء على ذلك فالآيات محلّ البحث قسم منها في التّوحيد، وقسم منها في المعاد.
وما نستنتجه من هذا التّفسير، هو أنّ هذه الجبال الّتي نتصوّرها ساكنة جامدة هي في سرعة مطّردة في حركتها. ومن المقطوع به أنّه لا معنى لحركة الجبال من دون حركة الأرض المتّصلة بها، فيتّضح من الآية أنّ الأرض تتحرّك كما يمرّ السّحاب.
ووفقا لحسابات علماء اليوم فإنّ سرعة حركة الأرض حول نفسها تقرب من 30 كيلومترا في كلّ دقيقة، وسرعة سيرها في حركتها الانتقاليّة حول الشّمس أكثر من هذا المقدار.
لكن علام عني بالجبال دون غيرها؟ لعلّ ذلك إنّما هو لأنّ الجبال يضرب بها المثل لثقلها وقرارها، وتعدّ مثلا حسنا لبيان قدرة اللّه سبحانه؛ فحيث أنّ هذه الجبال على عظمتها وما فيها من ثقل، تتحرّك كالسّحاب بأمر اللّه مع الأرض، فقدرته على كلّ شي ء بيّنة وثابتة.
وعلى كلّ حال، فالآية تعدّ من معاجز القرآن العلميّة، لأنّنا نعلم أنّ أوّل العلماء الّذين اكتشفوا حركة كرة الأرض غاليلو الإيطالي وكپرنيك اللّهستاني اللّذين