فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 892
أجزائها وانبثاث جواهرها. (8: 412)
أبو السّعود: أي في الجوّ على هيآتها بعد قلعها من مقارّها، كما يعرب عنه قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ النّمل: 88، أي تراها رأي العين ساكنة في أماكنها والحال أنّها تمرّ مرّ السّحاب الّذي يسيّره الرّياح سيرا حثيثا؛ وذلك أنّ الأجرام العظام إذا تحرّكت نحوا من الأنحاء لا تكاد يتبيّن حركتها، وإن كانت في غاية السّرعة لا سيّما من بعيد. [ثمّ استشهد بشعر]
وقد أدمج في هذا التّشبيه تشبيه حال الجبال بحال السّحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها، كما ينطق به قوله تعالى: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ القارعة: 5، يبدلّ اللّه تعالى الأرض ويغيّر هيأتها، ويسيّر الجبال على تلك الهيئة الهائلة عند حشر الخلائق بعد النّفخة الثّانية ليشاهدوها، ثمّ يفرّقها في الهواء، وذلك قوله تعالى: فَكانَتْ سَرابًا أي فصارت بعد تسييرها مثل السّراب، كقوله تعالى: وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا* فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا الواقعة: 5، 6، أي غبارا منتشرا.
وهي وإن اندكّت وانصدعت عند النّفخة الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنّما يكونان بعد النّفخة الثّانية، كما نطق به قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا* فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا* لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا* يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ طه:
105 -108، وقوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ إبراهيم:
48، فإنّ اتّباع الدّاعي الّذي هو إسرافيل عليه السّلام وبروز الخلق للّه تعالى لا يكون إلّا بعد النّفخة الثّانية. (6: 359)
البروسويّ: فيه إشارة إلى إزالة أنانيّة النّفوس وتعيّناتها، فإنّها عند القيامة الكبرى الّتي هي عبارة عن الفناء في اللّه تصير سرابا، حتّى إذا جئتها لم تجدها شيئا.
ولكن العوامّ المحجوبون إذا رأوا أهل الفناء يأكلون ممّا يأكلون منه ويشربون ممّا يشربون منه يظنّون أنّ نفوسهم باقية لبقاء نفوسهم، لكنّهم يظنّون بهم الظّنّ السّوء؛ إذ بينهم وبينهم بون بعيد قطعا وفاروق عظيم جدّا، لأنّهم أزالت رياح العناية والتّوفيق جبال نفوسهم عن مقارّ أرض البشريّة، وجعلها اللّه متلاشية، وفتحت سماء أرواحهم فكانت أبوابا كباب السّرّ والخفيّ والأخفى، فدخلوا من هذه الأبواب إلى مقام أو أدنى، فكانوا مع الحقّ حيث كان الحقّ معهم.
ثمّ نزلوا من هذه الأبواب العالية الحقيقيّة النّاظرة إلى عالم الولاية، فدخلوا في أبواب العقل والقلب والمتخيّلة والمفكّرة والحافظة والذّاكرة، فكانوا في مقام قاب قوسين مع الخلق، حيث كان الخلق معهم، فلم يحتجبوا بالخلق عن الحقّ الّذي هو جانب الولاية، ولا بالحقّ عن الخلق الّذي هو جانب النّبوّة، فكانوا في الظّاهر مصداق قوله تعالى: (يوحى الىّ) فأين المحجوبون عن مقامهم، وأنّى لهم إدراك شأنهم وحقيقة أمرهم. (10: 301)
الآلوسيّ: أي فصارت بعد تسييرها مثل سراب، فترى بعد تفتّتها وارتفاعها في الهواء كأنّها جبال وليست بجبال بل غبار غليظ متراكم، يرى من بعيد كأنّه جبل