فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 893
كالسّراب، يرى كأنّه بحر مثلا وليس به. فالكلام على التّشبيه البليغ، والجامع أنّ كلّا من الجبال والسّراب يرى على شكل شي ء، وليس هو بذلك الشّي ء. وجوّز أن يكون وجه الشّبه التّخلخل، إذ تكون بعد تسييرها غبارا منتشرا، كما قال تعالى: وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا* فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا.
والمستفاد من"الأزهار البديعة في علم الطّبيعة"لمحمّد الهراويّ: أنّ السّراب هواء تسخّنت طبقته السّفلى الّتي تلي الأرض لتسخّن الأرض من حرّ الشّمس فتخلخلت، وصعد جزء منها إلى ما فوقها من الطّبقات، فكان أكثف ممّا تحته. وخرج بذلك التّسخّن عن موقعه الطّبيعيّ من الأرض، ولانعكاس الأشعّة الضّوئيّة وانكسارها فيه على وجه مخصوص مبيّن في الكتاب المذكور مع انعكاس لون السّماء يظنّ ماء، وترى فيه صورة الشّي ء منقلبة، وقد ترى فيه صور سابحة كقصور وعمد ومساكن جميلة مستغربة، وأشباح سائرة تتغيّر هيئتها في كلّ لحظة، وتنتقل عن محلّها ثمّ تزول، وما هي إلّا صور حاصلة من انعكاس صور مرئيّة بعيدة جدّا أو متراكبة في طبقات الهواء المختلفة الكثافة، فاعتبار التّخلخل فقط في وجه الشّبه لا يخلو عن نظر.
وأيّا ما كان فهذا بعد النّفخة الثّانية عند حشر الخلق، فاللّه عزّ وجلّ يسيّر الجبال ويجعلها هباء منبثّا، ويسوّي الأرض يومئذ كما نطق به وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا* فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا* لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا* يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ طه:
105 -108، ويَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ إبراهيم: 48، فإنّ اتّباع الدّاعي الّذي هو إسرافيل عليه السّلام، وبروز الخلق للّه تعالى لا يكون إلّا بعد النّفخة الثّانية، وأمّا اندكاك الجبال وانصداعها فعند النّفخة الأولى.
وقيل: إنّ تسييرها وصيرورتها سرابا عند النّفخة الأولى أيضا، ويأباه ظاهر الآية. نعم لو جعلت الجملة حاليّة، أي فتأتون أفواجا وقد سيّرت الجبال فكانت سرابا، لكان ذلك محتملا. والظّاهر أنّها تصير سرابا لتسوية الأرض، ولا يبعد أن يكون فيه حكم آخر.
وقول بعضهم: إنّها تجري جريان الماء وتسيل سيلانه كالسّراب فيزيد ذلك في اضطراب متعطّشي المحشر، وغلبة شوقهم إلى الماء، خلاف الظّاهر.
القاسميّ: أي رفعت من أماكنها في الهواء؛ وذلك إنّما يكون بعد تفتيتها وجعلها أجزاء متصاعدة كالهباء.
وفي الآية تشبيه بليغ. [ثمّ ذكر نحو الآلوسيّ]
والجامع أنّ كلّا منهما يرى على شكل شي ء وليس به. فالسّراب يرى كأنّه بحر وليس كذلك، والجبال إذا فتّتت وارتفعت في الهواء، ترى كأنّها جبال وليست بجبال بل غبار غليظ متراكم، يرى من بعيد كأنّه جبل. (17: 6036)
نحوه المراغيّ. (30: 12)
الطّباطبائيّ: السّراب هو الموهوم من الماء اللّامع في المفاوز، ويطلق على كلّ ما يتوهّم ذا حقيقة ولا حقيقة له، على طريق الاستعارة.
ولعلّ المراد بالسّراب في الآية هو المعنى الثّاني.