فهرس الكتاب

الصفحة 4527 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 894

بيان ذلك: أنّ تسيير الجبال ودكّها ينتهي بالطّبع إلى تفرّق أجزائها وزوال شكلها، كما وقع في مواضع من كلامه تعالى عند وصف زلزلة السّاعة وآثارها؛ إذ قال:

وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا الطّور: 10، وقال: وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً الحاقّة: 14، وقال:

وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا المزّمّل: 14، وقال:

وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ القارعة: 5، وقال: وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا الواقعة: 5، وقال: وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ المرسلات: 10.

فتسيير الجبال ودكّها ينتهي بها إلى بسّها ونسفها وصيرورتها كثيبا مهيلا وكالعهن المنفوش، كما ذكره اللّه تعالى. وأمّا صيرورتها سرابا بمعنى ما يتوهّم ماء لامعا، فلا نسبة بين التّسيير وبين السّراب بهذا المعنى.

نعم ينتهي تسييرها إلى انعدامها وبطلان كينونتها وحقيقتها، بمعنى كونها جبلا. فالجبال الرّاسيات الّتي كانت ترى حقائق ذوات كينونة قويّة لا تحرّكه العواصف، تتبدلّ بالتّسيير سرابا باطلا لا حقيقة له، ونظيره من كلامه تعالى قوله في أقوام أهلكهم وقطع دابرهم: فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ سبأ: 19، وقوله:

فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ المؤمنون:

44، وقوله في الأصنام: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ النّجم: 23.

فالآية بوجه كقوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ النّمل: 88، بناء على كونه ناظرا إلى صفة زلزلة السّاعة. (20: 166)

مكارم الشّيرازيّ: وتأتي الآية الأخيرة لتخبرنا عن حال الجبال في ذلك اليوم الحقّ وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا، وبملاحظة كلّ ما جاء في القرآن الكريم بخصوص مصير الجبال ليوم القيامة، تظهر لنا أنّ الجبال ستطويها مراحل متعاقبة، وتبدأ من حركتها وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا الطّور: 10.

ثمّ تحمل وتدكّ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً الحاقّة: 14، فتكون تلالا من الرّمال المتراكمة وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا المزّمّل: 14، فتصبح كأصواف منفوشة وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ القارعة: 5، فتتحوّل غبارا متناثرا في الفضاء وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا* فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا الواقعة: 5، 6.

ولا يبقى منها أخيرا إلّا الأثر، كما أشارت لذلك الآية المبحوثة، وكأنّها سراب يلوح في الأفق، ويصبح سطح الأرض مستويا بعد أن تمحى الجبال من عليه وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا* فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا طه: 105، 106.

السّراب: من"السّرب"وهو الذّهاب في طريق منحدر، فعندما يسير الإنسان بين المنحدرات في الصّحراء، يتراءى له من بعيد تلألؤا يظنّه ماء، وما هو إلّا انكسار في الأشعّة يسمّى السّراب، ثمّ أطلقت كلمة"السّراب"على كلّ ظاهر خال من المحتوى.

وبهذا تكون إشارة الآية إلى بداية حركة الجبال ونهاية أمرها، فيما تعرّضت بقيّة الآيات- الّتي ذكرناها- إلى المراحل المختلفة ما بين البداية والنّهاية.

فإذا كانت عاقبة الجبال على مالها من شموخ وصلابة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت