المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 82
أَنْفُسُهُمْ النّمل: 14، وغيرها. وذهب بعض المتكلّمين إلى المنع من جوازه، وذهبوا إلى أنّ المعرفة تقتضي الإيمان، والجحد يقتضي الكفر، ولا سبيل إلى اجتماعهما، وتأوّلوا ظواهر القرآن، فقالوا في قوله تعالى:
وَجَحَدُوا بِها إنّها في أحكام التّوراة الّتي بدّلوها كآية الرّجم وغيرها.
ودفع ما يتصوّر العقل ويعقل من جواز كفر العناد على هذه الطّريقة صعب، أمّا أنّ كفر العناد من العارف باللّه وبالنّبوّة، فبعيد، لأنّه لا داعية إلى كفر العناد إلّا الحسد، ومن عرف اللّه والنّبوّة وأنّ محمّدا يجيئه ملك من السّماء، فلا سبيل إلى بقاء الحسد مع ذلك. أمّا أنّه جائز فقد رأى أبو جهل على رأس النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فحلا عظيما من الإبل قد همّ بأبي جهل، ولكنّه كفر مع ذلك.
والّذي عندي في كفر حييّ بن أخطب ومن جرى مجراه، أنّهم كانوا يرون صفات النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ويعرفونها أو أكثرها، ثمّ يرون من آياته زائدا على ما عندهم، فيتعلّقون في مغالطة أنفسهم بكلّ شبهة بأضعف سبب، وتتخالج ظنونهم فيقولون مرّة: هو ذلك، ومرّة: عساه ليسه، ثمّ ينضاف إلى هذا حسدهم وفقدهم الرّئاسة، فيتزايد ويتمكّن إعراضهم وكفرهم وهم على هذا، وإن عرفوا أشياء وعاندوا فيها، فقد قطعوا في ذلك بأنفسهم عن الوصول إلى غاية المعرفة وبقوا في ظلمة الجهل، فهم جاهلون بأشياء، معاندون في أشياء غيرها، وأنا أستبعد العناد مع المعرفة التّامّة. (2: 286)
الطّبرسيّ: أي بالقرآن والمعجزات، يجحدون بغير حجّة سفها وجهلا وعنادا. ودخلت الباء في بِآياتِ اللَّهِ والجحد يتعدّى بغير الجارّ والمجرور، لأنّ معناه هنا التّكذيب، أي يكذّبون بآيات اللّه.
وقال أبو عليّ: الباء تتعلّق ب (الظّالمين) والمعنى ولكنّ الظّالمين بردّ آيات اللّه أو إنكار آيات اللّه يجحدون ما عرفوه من صدقك وأمانتك، ومثله قوله سبحانه:
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها الإسراء:
59، أي ظلموا بردّها أو الكفر بها. (2: 295)
ابن شهر آشوب: وهل الجحد بآياته إلّا تكذيب نبيّه، نفى تكذيبهم بقلوبهم تديّنا واعتقادا وإن كانوا يظهرون بأفواههم التّكذيب، كما قال: وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ البقرة: 146.
قال أبو زيد المدنيّ: لقي أبو جهل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فصافحه أبو جهل، فقيل له في ذلك، فقال: واللّه أعلم أنّه نبيّ، ولكن متى كنّا تبعا لبني عبد مناف، فأنزل اللّه الآية.
وقال الأخنس- وقد سئل عن النّبيّ بالسّرّ-: واللّه إنّ محمّدا لصادق وما كذب قطّ، ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللّواء والحجابة والسّقاية والنّدوة والنّبوّة ما ذا يكون لقريش. فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ: لا يفعلون ذلك بحجّة، ولا يتمكّنون من إبطال ما جئت به، يقال: فلان لا يستطيع أن يكذّبني ولا يدفع قولي. (لا يكذّبونك) :
لا يلقونك متقوّلا، كما تقول: قاتلته فما أحييته وحادثته فما أكذبته. قال الكسائيّ: أي لا ينسبونك إلى الكذب فيما أتيت به، لأنّه كان عندهم أمينا. قوله: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُ الأنعام: 66، ولم يقل: وكذّبك قومك، المعنى في قوله: (لا يكذّبونك) إنّ تكذيبك راجع إليّ وعائد عليّ، ولست المختصّ به، لأنّه رسول اللّه، فمن