المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 83
كذّبه كذّب اللّه لا يُكَذِّبُونَكَ في الأمر الّذي توافق فيه كتبهم وإن كذّبوك في غيره.
وقال المرتضى: لا يكذّبونك جميعهم وإن كذّبوك بعضهم، وهم الظّالمون الّذين ذكروا في الآية إنّهم يجحدون بآيات اللّه. وهذا تسلية للنّبيّ أنّه إن كذّبك بعضهم فإنّ فيهم من يصدّقك. (2: 11)
نحوه الشّربينيّ (1: 417) ، ورشيد رضا (7: 372) .
الفخر الرّازيّ: ظاهر هذه يقتضي أنّهم لا يكذّبون محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم، ولكنّهم يجحدون بآيات اللّه.
واختلفوا في كيفيّة الجمع بين هذين الأمرين على وجوه:
الوجه الأوّل: أنّ القوم ما كانوا بكذّبونه في السّرّ ولكنّهم كانوا يكذّبونه في العلانيّة ويجحدون القرآن والنّبوّة. ثمّ ذكروا لتصحيح هذا الوجه روايات:
إحداها: أنّ الحرث بن عامر من قريش قال:
يا محمّد، واللّه ما كذبتنا قطّ، ولكنّا إن اتّبعناك نتخطّف من أرضنا، فنحن لا نؤمن بك لهذا السّبب.
وثانيها: [رواية الأخنس، وقد مرّ ذكرها]
إذا عرفت هذا فنقول: معنى الآية على هذا التّقدير:
أنّ القوم لا يكذّبونك بقلوبهم ولكنّهم يجحدون نبوّتك بألسنتهم وظاهر قولهم وهذا غير مستبعد، ونظيره قوله تعالى في قصّة موسى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا.
الوجه الثّاني أنت في تأويل الآية: أنّهم لا يقولون:
إنّك أنت كذّاب، لأنّهم جرّبوك الدّهر الطّويل والزّمان المديد، وما وجدوا منك كذبا، ألبتّة، وسمّوك بالأمين فلا يقولون فيك: إنّك كاذب ولكن جحدوا صحّة نبوّتك ورسالتك، إمّا لأنّهم اعتقدوا أنّ محمّدا عرض له نوع خبل ونقصان، فلأجله تخيّل من نفسه كونه رسولا من عند اللّه. وبهذا التّقدير: لا ينسبونه إلى الكذب، أو لأنّهم قالوا: إنّه ما كذب في سائر الأمور، بل هو أمين في كلّها إلّا في هذا الوجه الواحد.
الوجه الثّالث: في التّأويل: إنّه لمّا ظهرت المعجزات القاهرة على وفق دعواه، ثمّ إنّ القوم أصرّوا على التّكذيب، فاللّه تعالى قال له: إنّ القوم ما كذّبوك، وإنّما كذّبوني، ونظيره: أنّ رجلا إذا أهان عبدا لرجل آخر، فقال هذا الآخر: أيّها العبد إنّه ما أهانك، وإنّما أهانني، وليس المقصود منه نفي الإهانة عنه بل المقصود تعظيم الأمر وتفخيم الشّأن وتقريره: أنّ إهانة ذلك العبد جارية مجرى إهانته، ونظيره قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ الفتح: 10.
والوجه الرّابع في التّأويل، وهو كلام خطر بالبال:
هو أن يقال: المراد من قوله: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ أي لا يخصّونك بهذا التّكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصّدق مطلقا، وهو المراد من قوله: وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ، والمراد أنّهم يقولون في كلّ معجزة: إنّها سحر، وينكرون دلالة المعجزة على الصّدق على الإطلاق، فكان التّقدير: أنّهم لا يكذّبونك على التّعيين بل القوم يكذّبون جميع الأنبياء والرّسل، واللّه أعلم. (12: 204)
نحوه المراغيّ. (7: 109)
البيضاويّ: ولكنّهم يجحدون بآيات اللّه