المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 85
أنّه عليه الصّلاة والسّلام كان يشهد بصحّة ما أتى به وصدقه، وأنّه الدّين القيّم والحقّ الّذي لا يجوز العدول عنه، فكيف يجوز أن يكون صادقا في خبره ويكون الّذي أتى به فاسدا، بل إن كان صادقا فالّذي أتى به صحيح وإن كان الّذي أتى به فاسدا فلا بدّ أن يكون كاذبا فيه.
وقال مولانا سنان: إنّ حاصل المعنى أنّهم لا يكذّبونك في نفس الأمر، لأنّهم يقولون: إنّك صادق، ولكن يتوهّمون أنّه اعترى عقلك- وحاشاك- نوع خلل، فخيّل إليك أنّك نبيّ وليس الأمر بذاك، وما جئت به ليس بحقّ.
وقال الطّيّبيّ: مرادهم أنّك لا تكذب لأنّك الصّادق الأمين، ولكن ما جئت به سحر، ويعلم من هذا الجواب عن اعتراض الرّضيّ فتدبّر.
وقيل: معنى الآية أنّهم لا يكذّبونك فيما وافق كتبهم وإن كذّبوك في غيره.
وقيل: المعنى لا يكذّبك جميعهم وإن كذّبك بعضهم وهم الظّالمون المذكورون في هذه الآية. وعلى هذا لا يكون ذكر (الظّالمين) من وضع المظهر موضع المضمر، وقيل: غير ذلك، ولا يخفى ما هو الأليق بجزالة التّنزيل.
الطّباطبائيّ: كان ظاهر السّياق أن يقال:
ولكنّهم، فالعدول إلى الظّاهر للدّلالة على أنّ الجحد منهم إنّما هو عن ظلم منهم لا عن قصور وجهل وغير ذلك، فليس إلّا عتوّا وبغيا وطغيانا، وسيبعثهم اللّه ثمّ إليه يرجعون.
ولذلك وقع الالتفات في الكلام من التّكلّم إلى الغيبة، فقيل: بِآياتِ اللَّهِ ولم يقل: بآياتنا، للدّلالة على أنّ ذلك منهم معارضة مع مقام الألوهيّة واستعلاء عليه، وهو المقام الّذي لا يقوم له شي ء.
وقد قيل في تفسير معنى الآية وجوه أخرى:
أحدها: ما عن الأكثر أنّ المعنى: لا يكذّبونك بقلوبهم اعتقادا، وإنّما يظهرون التّكذيب بأفواههم عنادا.
وثانيها: أنّهم لا يكذّبونك وإنّما يكذّبونني، فإنّ تكذيبك راجع إليّ ولست مختصّا به. وهذا الوجه غير ما قدّمناه من الوجه وإن كان قريبا منه، والوجهان جميعا على قراءة التّشديد.
وثالثها: أنّهم لا يصادفونك كاذبا، تقول العرب:
قاتلناهم فما أجبناهم، أي ما صادفناهم جبناء، والوجه ما تقدّم. (7: 62)
2 -الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ. الأعراف: 51
ابن عبّاس: يكفرون. (128)
الطّبريّ: يكذّبون، ولا يصدّقون بشي ء من ذلك.
الطّوسيّ: الجحد: إنكار معنى الخبر، وأمّا إنكار المنكر، فبكلّ ما يصرف عن فعله إلى تركه، و (ما) في الموضعين مع ما بعدها بمنزلة المصدر، والتّقدير:
كنسيانهم لقاء يومهم هذا، وكونهم جاحدين لآياتنا.