المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 473
ويكون له ثان وثالث ورابع وهكذا. وأمّا"الأحد"فتميّز بالتّجرّد، ولا يكون له ثان ولا ثالث ولا ماوراءهما؛ فهو أمعن في الفردانيّة المتجرّدة عن كلّ تجسّد معهود.
وبهذه الدّلالة الّتي لم تكن في"وحد"انتقل إلى"أحد"، ومن هنا نرى أنّ مدار الاشتقاق على"وحد"دون"أحد"إلّا في النّادر.
بيد أنّ الأوجه المذكورة تظلّ مفتقرة إلى الدّليل على الرّغم من حسن توجيهها، فلم يسمع عن العرب"أحد"مبدل من"وحد"، وما ذكر فهو قياس محض من عمل اللّغويّين.
ومن اللّغات المسموعة الّتي تبدّل فيها الهمزة من الواو المفتوحة ما قاله أبو عبيد في الحديث:"كلّ ما زكّي ذهبت أبلته"، أي وبلته، وهي شرّه- لاحظ"أ ب ل"- وقال الزّاهد في قولهم: أين أخيهم؟ أي سفرهم وقصدهم، وأصله: وخيهم. وحكى ابن جنّيّ: أجّ في وجّ، وهو اسم موضع.
نعم، إنّ بين"أحد"و"وحد"اشتقاق أكبر وجناس جزئيّ، وهذا ما يلحظ أيضا في اللّغات السّاميّة، ولا يزال باب البحث مفتوحا على مصراعيه. وأمّا الفرق بين اللّفظين معنى فقد كفانا النّصوص اللّغويّة والتّفسيريّة فلاحظ.
الاستعمال القرآنيّ
جاء أحد على وجوه:
الأوّل- جاء مرفوعا ثلاث عشر مرّة:
1 -قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ آل عمران: 73
2 و 3 - وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ النّساء: 43 والمائدة: 6
4 -وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ
التّوبة: 6
5 -فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ هود: 81
6 -وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ الحجر: 65
7 -قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا الجنّ: 22
8 -فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ الفجر: 25
9 -وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ الفجر: 26
10 -أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ البلد: 5
11 -أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ البلد: 7
12 -قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الإخلاص: 1
13 -وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ الإخلاص: 4
ويلاحظ أنّ أحدا جاء فيها على أطوار:
1 -فجاء عقيب النّهي مرّتين، وهما رقم (4) و (5) ، فيفيدان الاستغراق، لكن في دائرة محدّدة: (احد منكم) ؛ إذ لا يعمّ البشر ولا غير المخاطبين، إلّا أنّ الأحكام في القرآن- كما هو ثابت في محلّه- موجّهة إلى جميع المسلمين بل إلى المكلّفين عامّة، ولا تختصّ بالمخاطبين في زمن نزول الوحي.
2 -وجاء عقيب النّفي ب"لا"و"لم"و"لن"،