فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 128
وعندي فيه قول ثالث: وهو أنّ جدّ الإنسان: أصله الّذي منه وجوده، فجعل الجدّ مجازا عن الأصل، فقوله تعالى: (جَدُّ رَبِّنا) معناه: تعالى أصل ربّنا، وأصل حقيقته المخصوصة الّتي لنفس تلك الحقيقة، من حيث إنّها هي تكون واجبة الوجود. فيصير المعنى: أنّ حقيقته المخصوصة متعالية عن جميع جهات التّعلّق بالغير، لأنّ الواجب لذاته يجب أن يكون واجب الوجود من جميع جهاته، وما كان كذلك استحال أن يكون له صاحبة وولد. [ثمّ أدام نحو الزّمخشريّ] (30: 154)
أبو السّعود: وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا بالفتح، قالوا: هو وما بعده من الجمل المصدّرة ب"أنّ"في أحد عشر موضعا، عطف على محلّ الجارّ والمجرور في فَآمَنَّا بِهِ الجنّ: 2، كأنّه قيل: فصدّقناه وصدّقنا أنّه تعالى جدّ ربّنا، أي ارتفع عظمته، من جدّ فلان في عيني، أي عظم تمكّنه أو سلطانه أو غناه، على أنّه مستعار من الجدّ:
الّذي هو البخت، والمعنى وصفه بالاستغناء عن الصّاحبة والولد لعظمته أو لسلطانه لغناه، وقرئ بالكسر، وكذا الجمل المذكورة عطفا على المحكيّ بعد القول، وهو الأظهر لوضوح اندراج كلّها تحت القول، وأمّا اندراج الجمل الآتية تحت الإيمان والتّصديق كما يقتضيه العطف على محلّ الجارّ والمجرور ففيه إشكال. (6: 314)
سيّد قطب: والجدّ: الحظّ والنّصيب، وهو القدر والمقام، وهو العظمة والسّلطان، وكلّها إشعاعات من اللّفظ تناسب المقام. والمعنى الإجماليّ منها في الآية هو التّعبير عن الشّعور باستعلاء اللّه سبحانه وبعظمته وجلاله، عن أن يتّخذ صاحبة- أي زوجة- وولدا بنين أو بنات. (6: 3727)
بنت الشّاطئ: الكلمة وحيدة الصّيغة في القرآن، ومعها فيه من مادّتها"جديد"ثماني مرّات، كلّها صفة لخلق و (جدد) في آية فاطر: 27 وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها.
وتفسير (جَدُّ رَبِّنا) بعظمته، ممّا تحتمله الدّلالة اللّغويّة، فمن معاني"الجدّ"في العربيّة: أبو الوالدين، وأحد الأجدادين والجدود، والبخت والحظّ، والحظوة، والرّزق، والعظمة. والجدّة: ضدّ البلى، وجدّد الشّي ء صيّره جديدا، والجادّة: الطّريق المسلوك الممهّد، والجدّ:
الاجتهاد، والجديدان: اللّيل والنّهار، بما في تعاقبهما من تجدّد آيتهما.
على أنّ الرّاغب فسّر"الجدّ"في الآية المسؤول عنها بالفيض الإلهيّ تَعالى جَدُّ رَبِّنا أي فيضه، وقيل:
عظمته. وإضافته إليه تعالى على سبيل الاختصاص بملكه. وسمّي ما جعل اللّه من الحظوظ الدّنيويّة"جدّا"وهو البخت.
وفي حديث الدّعاء:"تبارك اسمك وتعالى جدّك"قال ابن الأثير: أي علا جلالك وعظمتك.
ولعلّ وجه التّقريب في تفسير"الجدّ"بالعظمة، جاء من لمح ما في الجدّ من دلالة على ما أبدع سبحانه من نظام الكون، وما هدى إلى نهج الطّريق السّويّ.
والملحظ في البيان القرآنيّ أنّه لا يستعمل"الجديد"إلّا في النّشأة الأخرى بعد الموت والبلى، فكلّ خلق جديد في القرآن، لهذه النّشأة الأخرى. أمّا النّشأة الأولى فيعبّر عنها القرآن بالخلق، إبداعا وتكوينا؛ وذلك