فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 129
كلّه من آيات القدرة الإلهيّة وعظمتها.
وسياق الآية يؤنس إلى ما في الجدّ من عظمة وتفرّد، بتمام آيته. (الإعجاز البيانيّ: 352)
الطّباطبائيّ: فسّر"الجدّ"بالعظمة وفسّر بالحظّ، والآية في معنى التّأكيد، لقولهم: وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا الجنّ: 2. (20: 40)
عبد الكريم الخطيب: جَدُّ رَبِّنا: ملكه وسلطانه ومجده. وأصل الجدّ: الحظّ والنّصيب الّذي يصيبه الإنسان في حياته من حظوظ الدّنيا. فجدّه هو كلّ ما له من مال ومتاع، وبنين وعلم وجاه وسلطان.
وقوله تعالى: وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا هو معمول لفعل محذوف، معطوف على قوله تعالى: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا الجنّ: 1، أي سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا وعلمنا ممّا سمعنا أنّه تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا.
وهكذا كلّ ما جاء على لسان الجنّ بعد هذا، هو معمول لفعل مترتّب على استماعهم لما استمعوا من آيات اللّه، وما كشفت لهم من حقّ وهدى.
وقولهم: تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا أي عظم مجده وتعالى سلطانه، وتنزّهت عزّته عن أن يتّخذ صاحبة أو ولدا. فإنّ اتّخاذ الصّاحبة أو الولد، إنّما يكون عن حاجة إليهما؛ بحيث لو افتقد الإنسان وجودهما بين يديه تطلّعت إليهما نفسه، وشغل بهما قلبه، واللّه سبحانه في غنى عن كلّ شي ء، فكلّ شي ء هو منه، وله وإليه. (15: 1222)
مكارم الشّيرازيّ: وبعد إظهار الإيمان ونفي الشّرك باللّه تعالى ينتقل كلامهم إلى تبيان صفات اللّه تعالى: وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا.
جدّ: لها معان كثيرة في اللّغة، منها: العظمة والشّدّة، والجدّ والقسمة والنّصيب وغير ذلك. وأمّا المعنى الحقيقيّ لها- كما يقول الرّاغب في"المفردات"- فهو القطع، وتأتي بمعنى"العظمة"إذا كان هناك كائن عظيم منفصل بذاته عن بقيّة الكائنات، وكذلك يمكن الأخذ بما يناسب بقيّة المعاني التّابعة لها. وإذا ما أطلقنا لفظة"الجدّ"على والديّ الأبوين فإنّما يعود ذلك إلى كبر مقامهما أو عمرهما.
وذكر آخرون معاني محدودة لهذه الكلمة، فقد فسّروها بالصّفات والقدرة والملك والحاكميّة والنّعمة والاسم، وتجتمع كلّ هذه المعاني في معنى"العظمة".
وهناك ادّعاء في أنّ المقصود هنا هو الأب الأكبر"الجدّ". وتشير الرّوايات إلى أنّ الجنّ لقلّة معرفتهم اختاروا هذا التّعبير غير المناسب. وهذا إشارة إلى نهيهم عن ذكر مثل هذه التّعابير.
ويمكن أن يكون هذا الحديث التفاتا منهم إلى أمور كهذا الادّعاء، وإلّا لم يذكر القرآن هذا التّعبير والتّوافق عليه، وقد ذكر هذا الأسلوب في التّعبير أيضا في"نهج البلاغة"، كما في الخطبة (191) :"الحمد للّه الفاشي في الخلق حمده، والغالب جنده، والمتعالي جدّه".
وورد في بعض الرّوايات أنّ أنس بن مالك قد قال:
كان الرّجل إذا قرأ سورة البقرة جدّ في أعيننا.
على كلّ حال فإنّ استعمال هذه اللّفظة في المجد والعظمة مطابق لما في نصوص اللّغة، ومن الملاحظ أنّ خطباء الجنّ معتقدون بأنّ اللّه غير متّخذ لنفسه صاحبة