فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 184
المتجادلين يفتل كلّ واحد الآخر عن رأيه.
والمعنى ما يخاصم في آيات اللّه بالطّعن فيها، بأن يقول في حقّها سحرا وشعرا وأساطير الأوّلين أو نحو ذلك، وباستعمال المقدّمات الباطلة لإدحاضه وإزالته وإبطاله، لقوله تعالى: وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ فحمل المطلق على المقيّد، وأريد الجدال بالباطل إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بها، وأمّا الّذين آمنوا فلا يخطر ببالهم شائبة شبهة منها فضلا عن الطّعن فيها.
وأمّا الجدال فيها لحلّ مشكلاتها واستنباط حقائقها وإبطال شبه أهل الزّيغ والضّلال، فمن أعظم الطّاعات كجهاد في سبيل اللّه، ولذلك قال عليه السّلام:"إنّ جدالا في القرآن كفر"بتنكير"جدالا"الدّالّ على التّنويع للفرق بين جدال وجدال.
وممّا حرّره حضرة شيخي وسندي في مجموعة من مجموعات هذا الفقير في ذيل هذه الآية، قوله: فكفّار الشّريعة يجادلون في آيات القرآن الرّسميّ، فيكون جدالهم رسميّا، لكونه في الآيات الرّسميّة، فهم كفّار الرّسوم كما أنّهم كفّار الحقائق. وكفّار الحقيقة يجادلون في آيات القرآن الحقيقيّ، فيكون جدالهم حقيقيّا، لكونه في الآيات الحقيقيّة فهم كفّار الحقائق فقط لاكفّار الرّسوم.
فعليك يا ولدي الحقّيّ- سمّي الذّبيح- بترك الكفر والجدال مطلقا حتّى تكون عند اللّه وعند النّاس مؤمنا حقّا ومسلما صدقا. (8: 153)
الآلوسيّ: [نحو ما تقدّم عن الزّمخشريّ وأضاف:]
والتّحقيق كما في"الكشف"أنّ المجادلة في الشّي ء تقتضي أن يكون ذلك الشّي ء إمّا مشكوكا عند المجادلين أو أحدهما أو منكرا كذلك، وأيّامّا كان فهو مذموم، اللّهمّ إلّا إذا كان من موحّد لخارج عن الملّة أو من محقّق لزائغ إلى البدعة، فهو محمود بالنّسبة إلى أحد الطّرفين.
وأمّا ما قيل: إنّ البحث فيها لإيضاح الملتبس ونحوه جدال عنها لا فيها، فإنّ الجدال يتعدّى ب"عن"إذا كان للمنع والذّبّ عن الشّي ء، وب"في"لخلافه كما ذكره الامام، وب"الباء"أيضا، كما في قوله تعالى: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ النّحل: 125، ففيه بحث.
وفي قوله تعالى: فِي آياتِ اللَّهِ دون"فيه"بالضّمير العائد إلى الكتاب، دلالة على أنّ كلّ آية منه يكفي كفر المجادلة، فكيف بمن ينكره كلّه ويقول فيه ما يقول! وفيه أنّ كلّ آية منه آية أنّه من اللّه تعالى الموصوف بتلك الصّفات، فيدلّ على شدّة شكيمة المجادل في الكفر، وأنّه جادل في الواضح الّذي لاخفاء به، وممّا ذكر يظهر اتّصال هذه الآية بما قبلها، وارتباط قوله:
فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ بها. (24: 43)
عزّة دروزة: وجملة ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا في الآية الرّابعة تضمّنت تقرير كون الّذين يجادلون في آيات اللّه وينكرونها هم الّذين تعمّدوا العناد، وبيّتوا الكفر والمكابرة فقط؛ حيث انطوى في ذلك معنى محكم يصحّ أن يزال على ضوئه إشكال ما يرد مطلقا في آيات أخرى، وانطوى فيه تبعا لذلك تحميل الكافرين مسؤوليّة موقفهم الّذي يقفونه عن عمد وباطل.
وقد انطوى في هذا وذاك في الوقت نفسه تسلية وتطمين للنّبيّ عليه السّلام، وتعنيف قارع للكفّار، وكلّ هذا ممّا